وأساليب التعذيب لا تتجاوز في مجموعها غرض سلب الإرادة ولعل أخطر هذه الأساليب المحققة لهذا الغرض هو الإهانة النفسية.. لإفقاد الفرد كرامته لأن العلاقة بين الكرامة والإرادة علاقة مطردة، فإذا قويت كرامة الفرد وعزيمته قويت إرادته.
ومن هنا: فإن الشعور بالاستعلاء والعزة من أهم موانع فقد الإرادة والانهيار، فلا يؤثر السب والبصق والركل بالقدم على الاستعلاء والعزة، بل واليقين بأنك تمتلىء عزة واستعلاء بالقدر الذي يمتلىء فيه من يعذبك حقارة ومهانة.
والفزع والترويع هما أخطر آثار التعذيب، ولا يبطل هذا الخطر إلا الطمأنينة والسكينة، ولا يحقق الطمأنينة والسكينة إلا الذكر ...أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [28] } [سورة الرعد] وعلى أن يكون الذكر هو الواجب الأول والدائم على من يقع في محنة التعذيب، كما أن الصيغ المتعددة للذكر تعالج بصورة مباشرة الآثار المتعددة التعذيب.
فدعاء الدخول على ذوى السلطان الظالمين يكون عند لحظة المواجهة الأولى، والاستغفار يرفع الذنوب التي قد تكون سببًا في وقوع المحنة، وعندما ترفع الذنوب تذهب أسباب المحنة، وتتحقق العافية، ومع الاستغفار يكون دعاء تفريج الكرب. وكذلك التكبير الذي يحقق الشعور بإكبار الله فيهون التعذيب والقائمين عليه.. وكذلك يهون التعذيب والقائمين عليه برضى الله سبحانه. وهذا المعنى مأخوذ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف. وفي نهايته: [...إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَليَّ فَلَا أُبَالِي وَلَكِنَّ عَافِيَتك أَوْسَع لِي] قال الهيثمي في مجمع الزوائد [35/6] :'رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة'.
ولعل من صيغ الأذكار المناسبة لمحنة التعذيب هي الاستعاذة الواردة في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [...أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ] رواه الترمذي وأحمد.
لأن الانهيار هو الذي يجر السوء على النفس وعلى المسلمين. وفي النهاية فإن ما يذهب بمحنة التعذيب، وكأنها لا تكون هو تذكر عذاب الله، وعدم المقارنة بين فتنة الناس وعذاب الله كما في قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ... [10] } [سورة العنكبوت] . حيث لا وجه للمقارنة.
فعذاب الله يلازمه سخط الله والمهانة الحقيقية كما أنه يتضاعف ولاينفع معه الصبر وليس له نهاية وليست منه نجاة، وفتنة الناس والإيذاء في الله يحقق رضى الله والعزة لمن يؤذى في سبيل الله . كما أن فتنة الناس تَضْعُف وينفع معها الصبر ولها نهاية ومنها النجاة بإذن الله.
وبعد معالجة مشكلة التعذيب يتقرر حقيقة هامة وهي أن التوكل على الله هو الشعور الذي يدخل به المسلم تلك المحنة، وأن التسليم بقدر الله هو الشعور الذي يتقبل به المسلم نتيجة تلك المحنة حيث إن محنة التعذيب مع ما ذكر من عناصر لمعالجتها هي في النهاية بيد الله وحده.
ولعلنا نفهم من هذا الموقف أن ما بين التوكل الذي ندخل به المحنة والرضى بالقدر الذي نخرج به منها تكون ضرورة التفكير العملي للمحافظة على واقع الدعوة، وعدم الارتكاز في ذلك بصفة كلية على إيمان الأتباع. فقد كان من الممكن أن يغير الراهب مكانه حتى إذا ضعف الغلام، وأراد أن يدل عليه لا يجده، ولكن قدر الله وما شاء فعل.