وعندما يتحقق التوكل... تتحقق الاستجابة بإذن الله.. [ فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ] وسبب عودته إلى الملك هو سبب طلبه للنجاة من أصحاب الملك فوق الجبل وهو أن الدعوة لم تتم، وليست الحياة هدفًا يحرص عليه الدعاة إلا من خلال كونها ضرورة من ضرورات الدعوة سواء أكان تحقيق هذه الضرورة يتطلب الحرص على الحياة، أو الحرص على الموت.
والذين يفسرون مصلحة الدعوة بالحرص على حياة الدعاة فحسب هم أصحاب التصور الناقص الذي لايعدو أن يكون فلسفة للجبن، أو للارتداد عن سبيل الله.
فالجبن هو عدم الاستعداد للتضحية، والتهور هو التضحية بلاضرورة أومنفعة، والشجاعة هي التضحية الضرورية النافعة، وعلى هذا لم يكن طلب الغلام للنجاة جبنًا، ولم تكن عودته إلى الملك تهورًا بل كان في كلا الموقفين شجاعًا حكيمًا.
[وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ] لم تؤثر محنته على منهجه..لم يحدث التصرف الذي غالبًا مايتصرفه بعض الدعاة بعد أن يعيشوا مرحلة من مراحل الخطر.. يخرجون من هذا الخطر وقد قرروا تفاديه في كل مواقفهم.. ويصبح هذا القرار أساسًا في تحديد تصور جديد، ومنهج جديد.
لم يفعل الغلام ذلك بل عاد متمسكًا بمنهجه بصورة كاملة ودقيقة..عاد إلى نفس النقطة التي كان عليها..نفس الموقف الذي كان فيه..موقف المواجهة مع الملك.. فقد تحقق للغلام إمكانية تلك المواجهة فلا يجوز التراجع، ولا حتى التأجيل.
ولما ذهب إلى الملك سأله: [مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ] لا يريد أن ينسب الأصحاب إليه؛ لأنهم منهزمون أمام الغلام، حتى لا يكون لهزيمته بأصحابه أمام الغلام حساسية تؤثر على ادعاء الربوبية لنفسه، ولم يقل ماذا فعل أصحابي رغم أنهم أصحابه كما قال النص: [فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ] .
قال الغلام: [كَفَانِيهِمُ اللَّهُ] ولعلنا نلاحظ أن قول الغلام هذا للملك بعد النجاة كان مثل قوله قبل النجاة: [اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ] نفس الكلمة التي قالها عند الضر فوق الجبل، قالها بعد كشف الضر واهتزاز الجبل بلا زيادة ولاتغيير، فقد ينطلق لسان الإنسان عند الضر بكلمات اللجوء إلى الله والاستغاثة به فإذا ما انكشف الضر تتغير الكلمات والألفاظ، ويدخل فيها إحساس الإنسان بنفسه وعمله، ويفسر الكشف الإلهي لضره بمجهود بذله، أو تصرف تصرفه.
ويحاول الملك قتله مرة ثانية.. [فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ قَالَ كَفَانِيهِمُ اللَّهُ] إن اختيار الملك لأسلوب القذف بالغلام في وسط البحر بعد محاولة القذف به من فوق الجبل يعتبر نموذجًا لطبيعة تطور المواجهة الجاهلية المادية البحتة في مواجهة دعوة قائمة بقدر الله وحده. تلك المادية التى أعمت أصحابها عن قدر الله السافر فوق ذروة الجبل حيث اهتز الجبل، فسقطوا هم، وعاد هو سالمًا.
أحداث ناشئة عن إرادة إلهية غالبة بتمام الدعوة، أدرك الغلام هذه الحقيقة، فجاء يمشي إلى الملك.
ويقين الغلام بعجز الملك عن قتله- وإن كان موقفًا خاصًا إلا أنه- تضمن حقيقة اعتقادية مطلقة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس في حديثه: [...وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ] رواه الترمذي وأحمد. ولن تكون الحركة صحيحة إلا إذا تحقق في ضمير كل داعية هذا الاطمئنان الذي كان عند الغلام.
فقال للملك: [إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ] ونرى في كلمات الغلام شيئين:
إثبات عجز الملك.. والأمر الذي سيأمر الملك به.. ولعل هذا أول أمر يتلقاه الملك في حياته، ويجد نفسه مضطرًا إلى تنفيذه. وبذلك ينهي الغلام ادعاء الربوبية الذي يدعيه الملك بإثبات عجزه واضطراره إلى تنفيذ الأمر الذي يصدر إليه. ولقد حرص الغلام على إنهاء هذا الإدعاء في ذلك الموقف؛ لأنه الموقف الأخير الذي يجب أن ينتهي معه هذا الإدعاء الفظيع.
ويكون الأمر هو: [تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ] حتى يشهدوا الأحداث، ويفهموا معناها، ولقد بدأ الغلام أوامره بهذا الأمر؛ لأنه يعلم أن مثل هؤلاء الحكام يخفون الحقائق التي تفيد الناس، وتساعدهم على الإيمان، ومعرفة الحق. وهذا هو ماقصده موسى عندما طلب من فرعون أن يكون موعد المواجهة بينه وبين السحرة: يوم اجتماع الناس:...يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [59] } [سورة طه] .