فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 1236

ويستمر الغلام في إصدار الأوامر إلى الملك العاجز: [وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ] حتى يكتمل ضعف الغلام في إحساس الناس، فيكون غلامًا صغيرًا مصلوبًا في جذع شجرة،حتى يسهل على الناس الانطلاق بإحساسهم نحو الإيمان بالقوة التي قهرت الملك، والتي تقف مع ذلك الغلام الصغير المصلوب.. قوة الله رب الغلام.

[ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي] واشتراط أن يكون السهم من كنانته هو؛ فيكون سبب القتل من عنده، وتتأكد رغبته في القتل. [ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ] والطبيعي أن يوضع السهم في كبد القوس، ولكن الغلام جعل التصرف الطبيعي تنفيذًا لأمر منه حتى لايتحرك الملك أي حركة من تلقاء نفسه؛ ليكون خضوعه كاملًا ونهائيًا لأوامر الغلام التي جعلها الله صياغة لإرادته هو سبحانه.

[ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ] وبهذا يكون الغلام قد أعطى للناس تفسيرًا للموقف، فيكون قتله رغبة منه وسببًا من عنده..يتحقق بقدر الله بعد أن عجز الملك.

ويستجيب الملك لأوامر الغلام استجابة الضعيف المضطر، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: [بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ] .

استجاب الملك لأوامر الغلام لأنه وجد نفسه أمام ثلاثة أمور:

إما: أن يترك الغلام يدعو بدعوته كيفما شاء.. وكان هذا الحال سينتهي بإيمان الناس.

وإما: أن يستمر في تأكيد عجزه عن ذلك، وتتأكد للناس قوة الله الذي يحمي الغلام، وكان هذا الحال أيضًا سينتهي بإيمان الناس.

والأمر الثالث: وهو ما اختاره الملك، والذي انتهى بقتل الغلام، وأيضًا آمن الناس، فقد أراد الله أن يؤمن الناس، وأن تعلو كلمته، وقضى بذلك سبحانه وحكم، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وعلى أساس هذا الموقف نفهم قول الله الذي جاء في سورة البروج:وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [20] } [سورة البروج] .

[ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ] وقد كانت هذه الحقيقة القدرية الأخيرة التي تتحدد بها العلاقة السبب والنتيجة. سبقها عدة حقائق، ففي القصة:

النتيجة التي تتحقق بعكس مقصود البشر من السبب: فنفس الغلام الذي أراد البشر أن يكون داعية للضلال.. يريد الله أن يكون داعية للحق، وفي نفس طريق الغلام إلى الساحر يلتقي بالراهب، ويجلس إليه، ويسمع منه، ويعجبه كلامه.

وفي القصة النتيجة الهائلة بالسبب البسيط.. مثلما قتل الغلام الدابة التي كانت تسد على الناس الطريق بحجر صغير. وهو المعنى المتحقق كذلك بهزيمة الملك ووقوع ما كان يحذره بسبب هذا الغلام الصغير.

وفي القصة النتيجة المختلفة بالسبب الواحد.. وذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك فوق الجبل، فرجف بهم الجبل، وجاء إلى الملك، وكذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك في السفينة، فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك. ومن مجموع هذه الحقائق نفهم من سورة البروج قول الله سبحانه: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [16] } [سورة البروج] . لأن هذه الآية هي حقيقة كل الحقائق.

ولقد كان آخر ما قاله الغلام هو أمره للملك بأن يقول: [بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ] وبهذه الكلمة فتح الغلام للناس باب الإيمان، فقد كانوا يعرفونه محبًا لهم، وساعيًا لمنفعتهم، ومداويًا لأدوائهم، وما بقي إلا أن يعرف الناس أن للغلام ربًا هداه إلى محبتهم، وأذن له بشفائهم.

باسمه تحقق عجز الملك، وباسمه سيموت الغلام راغبًا من أجل إيمانهم، وهنا نشعر بمدى القهر الذي انتهى إليه الملك، فبعد أن كان يدعي الربوبية، ويعذب، ويقتل من لا يدَّعيها له، يقول في النهاية بنفسه.. [بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ] .

ولذلك لم يكن الغلام خائفًا من أن تنعكس رؤية الناس له وهو يموت خوفًا من الملك بعد قهره بهذا الموقف. كما أن الغلام لم يكن خائفًا لأنه استطاع أن ينشئ تعاطفًا كاملًا له في نفوس هؤلاء الناس بسلوكه معهم قبل ذلك، وبموقف الموت ذاته حيث تحدد الفارق بينه كغلام صغير مصلوب على جذع شجرة، وبين الملك الظالم.

وعندما انتهى الخوف من الملك المقهور، وبدأ التعاطف مع الغلام الداعية؛ بدأ الناس في الإحساس الصحيح بالموقف.. غلام صغير يحب الناس، ويقدم بهم المنافع والخير.. يموت برغبته من أجلهم.. بعد أن أثبت عجز الملك وضعفه من أجل أن يؤمنوا بالله رب الغلام.

واستجاب الناس.. فاندفعوا من كل مكان بلا خوف يرددون نداءات الإيمان [آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ] .. ففي لحظة الانطلاق من قيود الوهم والجهل.. وفي لحظة العزة بعد القهر والذل..وفي لحظة القوة بعد الوهن والضعف.. يؤمن الناس.

[فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ] وتغيرت ملامح المجتمع، وأنهت الجماهير ادعاء الحاكم الكاذب، فجاء إلى الملك من يقسم له بالله على هزيمته وعجزه ويقول له: [قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت