فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 1236

وقوله: { لقوم يوقنون } اللام فيه ليست متعلّقة ب { حكمًا } إذ ليس المراد بمدخولها المحكومَ لهم ، ولا هي لام التّقوية لأنّ { لقوم يوقنون } ليس مفعولًا ل { حُكمًا } في المعنى . فهذه اللامُ تُسمّى لام البيان ولام التبيين ، وهي الّتي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبرًا أم إنشاء ، وهي الواقعة في نحو قولهم: سَقْيًَا لك ، وَجَدْعًا له ، وفي الحديث « تبًّا وسُحقًا لمن بَدّل بَعْدي » ، وقوله تعالى: { هيهات هيهات لِما توعدون } [ المؤمنون: 36 ] { حاش لله } [ يوسف: 51 ] . وذلك أنّ المقصود التّنبيه على المراد من الكلام . ومنه قول تعالى عن زليخا { وقالت هيتَ لك } [ يوسف: 23 ] لأنّ تهيّؤَها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له { هيت لك } [ يوسف: 23 ] ، إذا كان ( هيت ) اسمَ فِعْللِ مُضي بمعنى تهيّأتُ ، ومثل قوله تعالى هنا: { ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون } . وقد يكون المقصود معلومًا فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو { حاشَ لله } [ يوسف: 51 ] ، وهي حينئذٍ جديرة باسم لام التبيين ، كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم: سَقيًا لك ورعيًا ، ونحوهما ، وفي قوله: { هِيتَ } [ يوسف: 23 ] اسمَ فعل أمر بمعنى تَعالَ . وإنّما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية ، لأنّ لام التّقوية يصحّ الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها ، وَفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلاّ معها .

وقال السيد رحمه الله (1) :

يقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير ، وهذا الحسم في التقرير ، وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لترك شيء - ولو قليل - من هذه الشريعة في بعض الملابسات والظروف . . يقف الإنسان أمام هذا كله ، فيعجب كيف ساغ لمسلم - يدعي الإسلام - أن يترك شريعة الله كلها ، بدعوى الملابسات والظروف! وكيف ساغ له أن يظل يدعي الإسلام بعد هذا الترك الكلي لشريعة الله! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم « مسلمين » ؟! وقد خلعوا ربقة الإسلام من رقابهم ، وهم يخلعون شريعة الله كلها؛ ويرفضون الإقرار له بالإلوهيه ، في صورة رفضهم الإقرار بشريعته ، وبصلاحية هذه الشريعه في جميع الملابسات والظروف ، وبضرورة تطبيقها كلها في جميع الملابسات والظروف!

{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق } . .

يتمثل الحق في صدوره من جهة الألوهية ، وهي الجهه التي تملك حق تنزيل الشرائع ، وفرض القوانين . . ويتمثل الحق في محتوياته ، وفي كل ما يعرض له من شئون العقيده والشريعه ، وفي كل ما يقصه من خبر ، وما يحمله من توجيه .

{ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه } . .

فهو الصوره الأخيره لدين الله ، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن ، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس ، ونظام حياتهم ، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل .

ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه . سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماويه ، أو في الشريعه التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيره . أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم ، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب ، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير .

وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره:

{ فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } . .

والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يجيئون إليه متحاكمين . ولكنه ليس خاصًا بهذا السبب ، بل هو عام . . وإلى آخر الزمان . . طالما أنه ليس هناك رسول جديد ، ولا رساله جديدة ، لتعديل شيء ما في هذا المرجع الأخير!

لقد كمل هذا الدين ، وتمت به نعمة الله على المسلمين . ورضيه الله لهم منهج حياه للناس أجمعين . ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله ، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر ، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى . وقد علم الله حين رضيه للناس ، أنه يسع الناس جميعًا . وعلم الله حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا .

وأنه يسع حياة الناس جميعًا ، الى يوم الدين . وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة . يخرج صاحبه من هذا الدين . ولو قال باللسان ألف مرة: إنه من المسلمين!

وقد علم الله أن معاذير كثيره يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين . . وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه ، في بعض الملابسات والظروف . فحذر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين ، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه . .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 381)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت