وأولى هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة ، والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد . ومسايرة بعض رغباتهم عند ما تصطدم ببعض أحكام الشريعة ، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة ، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة!
وقد روي أن اليهود عرضوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم . وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض . . ولكن الأمر- كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه . فهو أمر يعرض في مناسبات شتى ، ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين . . وقد شاء الله - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر ، وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعاة للاعتبارات والظروف ، وتأليفًا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء . فقال لنبيه: إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة؛ ولكنه جعل لكل منهم طريقًا ومنهاجًا؛ وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة ، وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا . وأن كلًا منهم يسلك طريقه؛ ثم يرجعون كلهم إلى الله ، فينبئهم بالحقيقة ، ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق . . وأنه إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج . . فهم لا يتجمعون:
{ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا . ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة . ولكن ليبلوكم فيما آتاكم . فاستبقوا الخيرات . إلى الله مرجعكم جميعًا . فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .
بذلك أغلق الله - سبحانه - مداخل الشيطان كلها؛ وبخاصة ما يبدو منها خيرًا وتأليفًا للقلوب وتجميعًا للصفوف؛ بالتساهل في شيء من شريعة الله؛ في مقابل إرضاء الجميع! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف!
إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يضحى بجزء منها في مقابل شيء قدر الله ألا يكون! فالناس قد خلقوا ولكل منهم استعداد ، ولكل منهم مشرب ، ولكل منهم منهج ، ولكل منهم طريق .
ولحكمة من حكم الله خلقوا هكذا مختلفين . وقد عرض الله عليهم الهدى؛ وتركهم يستبقون . وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه ، وهم إليه راجعون؛
وإنها لتعلة باطلة إذن ، ومحاولة فاشلة ، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة الله ، أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها . فالعدول أو التعديل في شريعة الله لا يعني شيئًا إلا الفساد في الأرض؛ وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم؛ وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر؛ وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض ، واتخاذ بعضهم لبعض أربابًا من دون الله . . وهو شر عظيم وفساد عظيم . . لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون؛ لأنها غير ما قدره الله في طبيعة البشر؛ ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع ، والاتجاهات والمشارب . . وهو خالق الخلق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير . وإليه المرجع والمصير . .
إن محاولة التساهل في شيء من شريعة الله ، لمثل هذا الغرض ، تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة؛ لا مبرر لها من الواقع؛ ولا سند لها من إرادة الله؛ ولا قبول لها في حس المسلم ، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة الله . فكيف وبعض من يسمون أنفسهم « مسلمين » يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر « السائحين » ؟!!! أي والله هكذا يقولون!
ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة ، ويزيدها وضوحًا . فالنص الأول: { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } . . قد يعني النهي عن ترك شريعة الله كلها إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه:
{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } . .
فالتحذير هنا أشد وأدق؛ وهو تصوير للأمر على حقيقته . . فهي فتنة يجب أن تحذر . . والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكمًا بما أنزل الله كاملًا؛ أو أن يكون اتباعًا للهوى وفتنة يحذر الله منها .
ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر؛ فيهون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة ، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينًا؛ أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة الله ( في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتمًا في دار الإسلام ) :
{ فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم . وإن كثيرًا من الناس لفاسقون } .
فإن تولوا فلا عليك منهم؛ ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته . ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك .