فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 1236

يقول سيد رحمه الله: (فلا بد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس الثمرات، لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة كي تقر على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف لا يعُز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن النفيس الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تَعُز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أحق بها، كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها وصبرهم على بلائها ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومدخور الطاقة، وتفتح في القلوب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن إلا تحت مطارق الشدائد) انتهى كلامه رحمه الله.

سئل الشافعي رحمه الله؛ أيهما خير للمؤمن أن يبتلى أم يمكن؟ فقال: (ويحك! وهل يكون تمكين إلا بعد بلاء؟) .

وعن صفوان بن عمر أنه قال: كنت واليًا على حمص فلقيت شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: (يابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالا) .

ألا من يحبه الله يبتليه..

صبرًا على شدة الأيام إن لها *** عقبى وما الصبر إلا عند ذي حسب

سيفتح الله عن قربٍ يعقبه *** فيها لمثلك راحات من التعب

ويقول سيد رحمه الله:(إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس"آمَنَّا"وهم يتركون لهذه الدعوى؛ حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم؛ كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظله وإيحائه، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب، هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله سبحانه؛ {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]

وإن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص، وإلا الذين يؤثرون على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة وعلى المتاع والإغراء، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة، وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء) انتهى كلامه رحمه الله.

فإن على الفئة المقاتلة التي سلكت طريق الجهاد في سبيل الله أن تعي طبيعة المعركة ومتطلباتها نحو هدفها المنشود وطريقها الذي لابد أن يعبد بدماء الصالحين من أبنائها، وأن تدرك أن هذا الطريق فيه فقد للأحباب والأصحاب، وترك للخلان والأوطان؛ كما قاسى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم خير الخلق بعد الأنبياء مرارة الهجرة وفقد المال والأهل والدار كله في سبيل الله... فأين نحن منهم؟!

وما على هذه الفئة إلا ان تصبر في طريقها الذي سلكته، وأن تحتسب عند الله ما قد يقع لها من فقد بعض القيادات والأفراد، وأن تمضي على دربهم وتعلم أن هذه سنة الله عز وجل، وأن الله يصطفي من هذه الأمة من عباده الصالحين، وألا تتعجل النصر فإن وعد الله آت لا محالة.

وينبغي أن يعلم المسلم؛ أن اتباع الحق والصبر عليه هو أقصر طريق إلى النصر وإن طال الطريق وكثرت عقباته وقل سالكوه، وأن الحَيدة عن الحق لا تأتي إلا بالخذلان وإن سهل طريقها وظن سالكه قرب الظفر فإنما هي أوهام.

قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الأنعام:153] .

هذا هو الجهاد؛... قمة... وثمرة... يأتي بعد صبر طويل ومكوث مديد في أرض المعركة انتظارًا لجلب الأعداء واصطبارًا لشرورهم مكوث يستمر شهور وسنوات متتالية، وإن لم تتجرع هذه الآلام لن يفتح الله عليك بالنصر لأن النصر مع الصبر.

وقد قال شيخ الإسلام: (إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين) .

إن مفاهيم الحق وصدق العقيدة والتوحيد تبقى دُمى في عالم الأشباح لا تجري فيها روح الحياة إلا إذا حملها أناس صادقون صابرون يتحملون تبعات هذا الطريق ولأوائه ويستعذبون العذاب ويستحلون النصب ولا يرضون إلا بالموت من أجل إحياء هذه المفاهيم على أرض الواقع تطبيقًا عمليًا، لا كما يتمنى البعض هذه المفاهيم ويزركشونها ضمن قوالب نظرية فلسفية، وخطب رنانّة بعيدة عن روح العمل والصدق والتنفيذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت