وإن الإسلام اليوم بأمس الحاجة إلى رجال صادقين صابرين ينزعون إلى الجد ويستعذبون التعب ويرتاحون بالنصب، فيترجمون بصمت متطلبات المرحلة... رجال النفوس الصادقة والهمم العالية والعزائم القويّة، التي لا تعرف إلا سمت التلقي للتنفيذ فتأبى أن يعقدها الكلل، أو يدركها الملل، أو تنفق آمالها في المرا والجدال.
فشمر عن ساعد الجد والعمل واصبر على لأواء الطريق ووعورته، فقد قيل: (قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، ولكل نعمة شكرا، ومن لم يعلم أن مع العسر يسرا) .
يا ويح نفسي وما ارتفعت بنا همم *** إلى الجنان وتالي القوم أوابُ
إلى كواعب للأطراف قاصرة *** وظل طوبى وعطر الشدو ينسابُ
إلى قناديل ذهب علقت شرفًا *** بعرش ربي لمن قتلوا وما غابوا
يقول تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} [التوبة:121] .
روى الطبري عن قتادة في تفسير هذه الآية قوله: (ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدًا، إلا ازدادوا من الله قربًا) .
فالأمر لله من قبل ومن بعد، ولسنا سوى عبيد له سبحانه، نسعى لتحقيق عبوديته، ومن كمال العبودية؛ أن نعلم ونوقن يقينًا جازمًا لاشك فيه؛ أن وعد الله متحقق لا محالة، ولكننا قد لا ندرك حقيقة الأمر لحكمة يعلمها الله، وقد يتأخر النصر ابتلاءً وامتحانًا، وصدق الله العظيم: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين} [الروم:47] .
وقد وعد سبحانه عباده الموحدين بالنصر، وجعل التمكين للصابرين وأخبر أن ما حل للأمم السالفة من الظفر والثبات والتمكين على الأرض كان لجميع صبرهم وتوكلهم عليه، كما قال سبحانه: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُون} [الأعراف:137] .
وجعل الله تعالى ما حصل لنبيه يوسف من العزة والتمكين في الأرض بعد الغربة وماجرى له في قصر العزيز إنما هو بصبره وتقواه؛ {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين} [يوسف:90] .
وعلق سبحانه الفلاح بالصبر، لقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [آل عمران:200] .
وذكر سبحانه أن حسن العاقبة في الدنيا هي للصابرين الأتقياء؛ {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين} [هود:49] .
نحن نعلم يقينًا أن وعد الله لا يتخلف أبدًا ومنشأ السؤال والإشكال، أننا قصرنا النظر على نوع واحد من أنواعه؛ وهو النصر الظاهر، ولا يلزم أن يكون هذا هو النصر الذي وعد به أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين يتجلى في صور أخرى لا تلمحها النفوس المهزوزة الضعيفة.
ومن بعض هذه الصور؛
أن قبائل قريش قد أجمعت قديمًا على محاصرة المؤمين ومقاطعتهم في شعب أبي طالب ومعهم بنو هاشم، ثلاث سنوات لا يبيعونهم ولا يشترون منهم؛ حتى لم يجدوا ما يأكلونه إلا ما يلتقطونه من خشاش الأرض، وأوشك المؤمنون على الهلاك لولا أن رحمة الله أدركتهم.
أصحاب الأخدود يلقون في النار ولا يقبلون المساومة على دينهم، ويفضلون الموت في سبيل الله، ثم يحفر الطاغوت أخاديده، ويوقد نيرانه، ويأمر زبانيته وجنوده بإلقاء المؤمنين في النار، وتأتي المفاجاة المذهلة؛ بدل أن يضعف من يضعف، ويهرب من يهرب، لا تسجل الرواية أن احدًا منهم تراجع أو جبن أو هرب، بل نجد الإقدام والشجاعة وذلك بالتدافع إلى النار، وكأن الغلام قد بث فيهم الشجاعة والثبات، وهاهم يجدون في اللحاق به وكانهم يتلذذون في تقديم أرواحهم فداء لدينهم؛ فكانوا هم المنتصرين، بل سماه الله عز وجل (فَوْزًا كَبِيرا) ً؛ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج:11] .