فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 1236

لقد هاجر رُسُلُ اللهِ تعالى حرصًا على نشر دين الله تعالى وكسبِ رضاهُ الذي به عِزُ الدارين وَسَعْدُهُما، ولقد هاجر رسول الله بعدما أوذي في الله تعالى هو ومن معه من الصحابة الكرام، ففيما خرّجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: بينما رسول الله يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفَي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعة طرحته عن ظهر رسول الله ، والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: (( اللهم عليك بقريش ) )ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: (( اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط ) )، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعَث محمدا بالحق لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحِبوا إلى القليب قليبِ بدر.

وروى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ؟ قال: بينا النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟!

كانت هذه الاعتداءات على رسول الله ، وتلك هي بعض صنوف الأذى لقيها رسول الله من القوم في سبيل الدعوة إلى الله تعالى.

وأما الصحابة الكرام رضي الله عنهم فقد لقوا ما لا يخطرُ على بال؛ كان الرجل إذا أسلم وله شرفٌ في قومه يأتيه أبو جهل فيقول: إما تعودَنّ إلى عبادة اللات والعزى أو لنسفّهن حلمك ولنقبِّحن رأيك ولنضعنّ من شرفك. وهذه هي ـ يا عباد الله ـ حرب التُّهم والإشاعات والأباطيل. وإذا كان الرجل ذا مال قال له أبو جهل: لتعودنّ إلى عبادة اللات والعزى أو لنخسِّرن تجارتك ولنهلكنّ مالك. وهذه ـ يا عباد الله ـ هي حرب السرقة والنّهب. أما إذا كان المسلم ضعيفا فحدث ولا حرج عن النار يُكوَى بها ظهره، وعن الغاز الناشئ من حصير يلفّ فيه ثم تحرق عليه من طرفَيها كما حدَث للزبير بن العوام ؛ إذ قيّدوه بالحبال وألقَوة في الحصير، ثم علّقوه على الحائط، ثم أوقدوا تحته نارًا فأحرقت أنفه.

حدّث ولا حرج عن القلوب القاسية التي تأتي بجمر يحمي ثم يلقى على المؤمن فلا ينطفئُ الجمر إلا بدهن ظهر المؤمن كما حدث لخبّاب بن الأرت؛ فكانوا يشدّون برجله الحبل ثم يجرّونه على الأرض، ويأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه ثم يضجعونه على فحام ملتهبة، ثم يضعون عليه حجرًا حتى لا يستطيع أن يقوم.

حدث ولا حرج عن النفوس المريضة التي تأتي بالمؤمنين فيعذبونهم بالسياط التي تلهب الصدور وبالرمال الساخنة التي تشوي الظهور وبالحجارة الثقيلة التي توضع على الصدر كما حدث لبلال، فكان أمية بن خلف يضع في عنقه حبلًا، ثم يسلمه إلى الصبيان يطوفون به في جبال مكة حتى أثر الحبل في عنقه، وكان أمية يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، وكان يكرهه على الجوع، وكان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وبلال يقول صابرا محتسبًا: أحَدٌ أحد.

حدث ولا حرج عن العقول الخرِبة التي تأتي بالحراب، فتشقّ بها البطون وتغرسُ في فروج النساء الأبرياء كما فعل بسمية أم عمار وبزوجها ياسر؛ كانوا يأخذون عمارًا وأباه وأمه وأخته فيقلبونهم ظهرًا لبطن، فيمر بهم رسول الله وهو يقول: (( اصبروا آل ياسر؛ فإنَّ موعدكم الجنة ) )رواه الطبراني. وماتت سميةُ أمُ عمار التي رفضت أن تنطق بكلمة الكفر واستعلَت بدينها وبإيمانها على طغاة الأرض، والتي كانت من السبعة الأوائل الذين أظهروا الإسلام، فكانت أوّلَ قتيل في الإسلام في ذات الله تعالى. هكذا كانت المرأة في الإسلام تدافع عن عقيدتها بثبات ويقين، فهذه أول شهيدة قدمت دمها وحياتها في سبيل الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت