حدّث ولا حرج عن تتابع الظلم والاضطهاد بالمسلمين والقطيعة، ففي أول ليلة من شهر الله المحرم من السنة السابعة من مبعثه اجتمعت قريش، اجْتَمَعُوا على أَنْ يَكْتُبُوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ على بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ أَنْ لا يُنْكِحُوهُمْ ولا يَنْكِحُوا إلَيْهِمْ، ولا يُبَايِعُوهُمْ ولا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ؛ حتى يهلكوا عن آخرهم أو يسلموا لهم محمّدا، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة، وعَمَدَ أبو طالبٍ فأدْخَلَهُمُ الشِّعْبَ، شِعْبَ أبي طالب في ناحيةٍ من مَكَّةَ، فأقاموا به ثلاث سنين تلوّوا جوعًا وعطشًا وعريًا، ولحقتهم مشقّة عظيمة، فكانوا يضعون الحجارة على بطونهم اتقاءً للآلام التي تنهش في أمعائهم، كانوا يبحثون عن الخرق البالية يعصبون بها رؤوسهم لتخفيف الأوجاع، تحملوا البرد القارس والصقيع القاتل في تلك الشعاب، فكانوا يلتحفون السماء ويفترشون الغبراء، يقول سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة: ولقد رأيتني مع رسول الله فخرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع قعقعة شيءٍ تحت بولي، فنظرت فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فرضختها بين حجرين ثم استففتها، فشربت عليها ماء، فقويت عليها ثلاثًا.
هؤلاء هم السادة الذين طردتهم قريش ظلمًا وعدوانًا حتَّى جَهِدُوا جَهْدًا شديدًا، ثم إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ أَرْسَلَ على صحيفةِ قريشٍ الأَرَضَةَ لتأكل صحيفة المقاطعة، فلم تَدَعْ فِيْهَا اسمًا لِلَّهِ إلا أَكَلَتْهُ وبَقِيَ فِيْهَا الظُّلْمُ والقطيعةُ والبُهْتَانُ، وقيل: أكلت الصحيفة ولم تبق منها إلا"باسمك اللهم"، وصدق الله العظيم: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ [المدثر:31] . وبذلك عاد المسلمون إلى مكة ليمارسوا الدعوة إلى الله تعالى، وانتهت المقاطعة الظالمة، ولكن المشركين عادوا إلى طغيانهم وظلوا على باطلهم واجتهدوا في إيقاع الإيذاء بالمسلمين، واجتمعت قريش في دار الندوة يبحثون عن أنجع الوسائل للقضاء على رسول الله ، ففي يوم الخميس من شهر صفر من السنة الرابعة عشر من النبوة اجتمع كفار قريش في دار الندوة، وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، فاتفقوا على قتل النبي .
هكذا ـ يا عباد الله ـ كان البلاء يصب على رسول الله وعلى أصحابه صبا، ولكنهم صبروا في ذات الله عز وجل حتى كانت الهجرة المباركة التي أنقذ الله تعالى بها عباده من الاضطهاد والظلم والطغيان.
الخطبة الثانية
هذه هي أحداث الهجرة النبوية التي فيها من الدروس والعبر، وأقدّم لكم ـ أيها الإخوة الكرام الأحبة ـ بعضًا من هذه الدروس المستفادة.
الدرس الأول من دروس الهجرة: فمن الأحداث السابقة ـ يا عباد الله ـ نعلم أن الهجرة لها شأن عظيم، وأن أساس نجاحها وفلاحها كان في انتقال قلوب المهاجرين من اتباع الشيطان والنفس والهوى إلى الإخلاص لله تعالى، ولذا قال: (( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ). فمن انتقل قلبُهُ من ظلمة الشرك إلى نور التوحيد ومن الغواية إلى الهداية ومن الشر إلى الخير ومن الجهل إلى العلم كان مهاجرًا هجرةً قلبيةً، وكان عملُهُ صالحًا ومعاملَتُهُ حسنةً وخلُقُهُ كريمًا. فالهجرة القلبية ـ وهي التي يجب أن يقوم بها كلُّ مسلم ـ هي الهجرةُ الباقية إلى أن تقوم الساعةُ، فليهاجر كل مسلم بقلبه ونفسه من الشهوات إلى الطاعات ومن عبادة هواه إلى عبادةِ ربهِ ومولاه.
الدرس الثاني من دروس الهجرة: أن الهجرة تمثل قصة الصراع بين الحق والباطل والهدى والضلال، وتلك قضية تتكرر في كل زمان ومكان، وهي تمثل قصة الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فإن الصراع بين الحق والباطل قائم منذ القِدَم وإلى قيام الساعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وتلك سنة الله تعالى، ولكن النصر في النهاية للحق وأهله والهزيمة للباطل وأهله، فعلى الدعاة إلى الله تعالى الساعين للإصلاح أن يتحلوا بالصبر والصدق والجد والإخلاص والحكمة والرفق وعدم استعجال الثمرات، فإن العاقبة الحميدة لكل مستضعف في الأرض ومضطهد في دينه متى ما صدق مع الله تعالى؛ لأن دروس الهجرة تقول: أليس الذي نصر عبده وهو على هذه الحال من الضعف قادرًا على أن يصنع مثله وأمثاله؟! أليس قادرًا على أن ينصر المسلمين وإن كانوا قلة في عددهم وعدتهم ولكنهم أقوياء في إيمانهم؟!