الدرس الثالث من دروس الهجرة: علينا أن نعلم أن الهجرة سنة من سنن الله تعالى الكونية التي لازمت الرسل والدعاة إلى الله تعالى، فما من رسول إلا أُخرجَ من داره أو عرَّضه قومه للإخراج، فهذه سنة من سنن الله تعالى، فإن الأقوام الذين عارضوا دعوة الرسل نجدهم يعرضون على رسل الله إما أن يعودوا إلى العقائد الفاسدة وإما أن يطردوا من ديارهم، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:13، 14] . فلقد هاجرَ أبو الأنبياء إبراهيمُ عليه السلام قال عنه الله تعالى: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت:26] ، وكذلك هاجر معه نبي الله لوطٌ عليه السلام، وهاجر شعيب وموسى وعيسى عليهم السلام.
فموسى عليه السلام أقام الحجج والبراهين الواضحة وجاء بالآيات الصادقة الدالة على نبوته ورسالته، ومع ذلك لم يستجب له قومه وأراد الطاغيةُ فرعون أن يقاوم هذه الحجج والبراهين بالأكاذيب والأباطيل والافتراءات، فعذب بني إسرائيل وقتل أبناءهم واستحيى نساءهم، فأمر الله تعالى نبيه موسى أن يهاجر بقومه، فخرج موسى عليه السلام مهاجرًا مع أخيه وقومه من مصر، فعلم فرعون بخروج موسى فجمع جنوده ليلحق بموسى، وسجل الله تعالى هذا الحدث فقال: وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:52-68] .
وبذلك ـ يا عباد الله ـ نجى الله تعالى موسى وقومه وجعل ذلك آية وعبرة للمعتبر، فصام موسى ذلك اليوم شكرًا لله تعالى، فلما هاجر رسول الله إلى المدينة مَرَّ بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله: (( ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ ) )فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه، فقال رسول الله: (( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ) )، فصامه رسول الله وأمر بصيامه. وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله: (( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) )، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله . وروى مسلم عن أبي قتادة أن رجلا سأل رسول الله عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (( وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) ).
وهي صورة تتكرر، فصورة الأجرام تتكرر في كل زمان من أجل إخراج المسلمين من ديارهم، وهذا الذي يحدث في عالمنا اليوم من اعتداء سافر على المسلمين على مرأى ومسمع العالم، فأين دروس الهجرة في عالمنا اليوم؟! هاجر رسولنا وهاجر أصحابه الذين آمنوا به واستجابوا لدعوته، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:18] . فعلى كل مسلم أن يأخذ الدروس والعبر من أحداث الهجرة المباركة.
أيها الإخوة الكرام الأحبة، وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] .
أسامة بن عبد الله خياط
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا عباد الله، اتّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، وتوكّلوا عليه وأنيبوا إليه، وأحسِنوا الظنَّ به، وادعُوه خوفًا وطمَعًا، واذكروا وقوفَكم بين يدَيه، في يومٍ يجعل الولدانَ فيه شيبًا، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرِئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] .
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4715)