ثانيًا: أن حاضر الشيء من دنا منه، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر؛ بدليل أنه إذا قصده لا يترخص رخص السفر، فيكون من حاضريه [1] .
القول الثاني: هم أهل الحرم، وهو قول طائفة من السلف [2] وقدمه صاحب الفروع [3] واستظهره ابن حجر [4] ، وأفتت به اللجنة الدائمة [5] واختاره ابن عثيمين [6] .
الدليل من أقوال الصحابة:
قال ابن عباس حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: 196] هم: أهل الحرم [7] .
المطلب الخامس: أعمال المتمتع
الفرع الأول: طواف المتمتع وسعيه
يجب على المتمتع طوافان وسعيان، فيبدأ أولًا بعمرة تامة: فيطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصر، ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج، ويأتي بطواف للحج وسعي له، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية: الحنفية [8] ، والمالكية [9] ، والشافعية [10] ، والحنابلة [11] ، وبه قال طائفة من السلف [12] . وحكى ابن رشد الإجماع على أن المتمتع عليه طوافان: طواف لعمرته، وطواف لحجه [13] .
الأدلة:
أولًا: من السنة:
1 -عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا ) ) [14] .
وجه الدلالة:
أنه يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته ويطوف لحجه [15] .
2 -عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي ) ).
(1) (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 414) .
(2) منهم ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وطاووس، ينظر (( تفسير الطبري ) ) (3/ 110، 111) ، (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 414) .
(3) (( الفروع ) )لابن مفلح (5/ 349) .
(4) (( فتح الباري ) )لابن حجر (3/ 434) .
(5) ونص الفتوى: (اختلف أهل العلم في المعنى بـ: حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ *البقرة: 196* والراجح أنهم أهل الحرم) (( فتاوى اللجنة الدائمة ) )المجموعة الأولى (11/ 390) .
(6) قال ابن عثيمين: (الأقرب ... أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم؛ وأما من كان من غير أهل الحرم فليسوا من حاضريه؛ بل هم من محل آخر؛ وهذا هو الذي ينضبط(تفسير سورة البقرة 2/ 395) وفي موضع آخر قال: (وأقرب الأقوال أن نقول: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة، أو أهل الحرم، أي: من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة) . (( الشرح الممتع ) )لابن عثيمين (7/ 89) .
(7) (( تفسير الطبري ) ) (3/ 110، 111) .
(8) (( العناية شرح الهداية ) )للبابرتي (3/ 6) ، (( فتح القدير ) )للكمال ابن الهمام (3/ 6) .
(9) (( التمهيد ) )لابن عبدالبر (8/ 351) ، (( بداية المجتهد ) )لابن رشد (1/ 344) .
(10) (( نهاية المحتاج ) )للرملي (3/ 324) .
(11) (( كشاف القناع ) )للبهوتي (2/ 506) .
(12) منهم: الثوري، وأبو ثور. (( التمهيد ) )لابن عبدالبر (8/ 351) .
(13) قال ابن رشد: (أجمعوا أن من تمتع بالعمرة إلى الحج أن عليه طوافين طوافا للعمرة لحله منها وطوافا للحج يوم النحر على ما في حديث عائشة المشهور) (( بداية المجتهد ) )لابن رشد (1/ 344) .
(14) رواه البخاري (1556) ، ومسلم (1211) .
(15) (( مرعاة المفاتيح ) )للمباركفوري (9/ 69) .