لا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك، فيجوز أن تستر وجهها للحاجة كالستر عن أعين الناس، بثوب تسدله من فوق رأسها، وهذا مذهب المالكية [1] ، والحنابلة [2] ، واختاره ابن قدامة [3] ، وابن تيمية [4] .
الأدلة:
أولًا: من أقوال الصحابة
1 -عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ) ) [5] .
2 -عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (( كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمشط قبل ذلك في الإحرام ) ) [6] .
3 -عن فاطمة بنت المنذر قالت: (( كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق .. ) ) [7] .
وجه الدلالة:
أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة رضي الله عنهن كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة [8] .
ثانيًا: أن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطا لبيَّن، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما، مما يعد لستر الوجه [9] .
المطلب السادس: لبس القفازين للمحرمة
تمهيد: تعريف القفازين
(1) (( الاستذكار ) )لابن عبدالبر (4/ 14) ، (( الكافي ) )لابن عبدالبر (1/ 388) ، (( شرح مختصر خليل ) )للخرشي (2/ 345) .
(2) (( الفروع ) )لابن مفلح (5/ 529) ، (( الإنصاف ) )للمرداوي (3/ 356) (( كشاف القناع ) )للبهوتي (2/ 447) .
(3) قال ابن قدامة: (ذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيا عن وجهها، بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها، ثم زال أو أزالته بسرعة، فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي، ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة، وإن لم ترفعه مع القدرة؛ افتدت؛ لأنها استدامت الستر، ولم أر هذا الشرط عن أحمد، ولا هو في الخبر، مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما، مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها) . (( المغني ) ) (3/ 154، 301، 302) ، وينظر (( الشرح الكبير على المقنع ) )لشمس الدين ابن قدامة (3/ 324) ، (( الفروع ) )لابن مفلح (5/ 529) .
(4) قال ابن تيمية: (لو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضا، ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيد ولا غير ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه، وأزواجه صلى الله عليه وسلم كن يسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( إحرام المرأة في وجهها ) )وإنما هذا قول بعض السلف لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب أو تلبس القفازين) (( مجموع الفتاوى ) ) (26/ 112) .
(5) رواه البيهقي (5/ 47) (9316) ، وصحح إسناده الألباني في (( إرواء الغليل ) ) (4/ 212) . وروى ابن أبي شيبة في (( المصنف ) ) (3/ 719) عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت من الثياب إلا البرقع والقفازين ولا تنقب )) .
(6) رواه ابن خزيمة (4/ 203) (2690) ، والحاكم (1/ 624) ، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ، وقال الألباني في (( إرواء الغليل ) ) (4/ 212) : (صحيح على شرط الشيخين) .
(7) رواه مالك في (( الموطأ ) ) (3/ 474) (1176) . قال الألباني في (( إرواء الغليل ) ) (4/ 212) : إسناده صحيح.
(8) (( مجموع الفتاوى ) )لابن تيمية (26/ 112) .
(9) (( الشرح الكبير على المقنع ) )لشمس الدين ابن قدامة (3/ 324) .