رجله ماء أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأدسم من السمن.
فاستطارت بذلك فرحا وعصرت في فيه. فرجعت إليه نفسه، وقد كان أشرف على الهلاك، فجعلت تحفظ الماء بالتراب لئلا يذهب، وجعلت تغرف وتدخره في شنها لولدها فقال لها جبريل عليه السلام: إنها ري لا تخافي الظمأ، وإنها عين تشرب منها ضيفان الله تعالى [1] ، وإن هذا الغلام وأباه سيبنيان بيتا هذا موضعه، ثم تركها وعرج إلى السماء.
فلبثا خمسة أيام يشربان من ذلك الماء فيجزيهما من الطعام والشراب، فلما كان يوم السادس أقبل غلامان من العماليق الذين كانوا نزولا بعرفات يريدان بعيرا لهما فأشرفا على جبل أبي قبيس فأبصرا بياض الماء فتعجبا وانطلقا إلى قومهما فأعلماهم بذلك، فأقبل نفر من عظمائهم فأبصروا الماء ونظروا إلى إسماعيل وأمه هاجر فسألوها / فأخبرتهم بخبرها قالوا: لولا أن هذا الغلام كريم على الله تعالى ما أنبع له هذا الماء بهذا المكان، فإن عهدنا به منذ ستة أيام وليس به ماء، أفتأذنين لنا أن ننتقل بأهالينا إلى هذا المكان فنقيم معكما به على أن الإسكان يكون لهذا الغلام متى أخرجنا منه خرجنا وله عندنا المواساة في أموالنا وأن نجعله إذا أدرك رئيسنا؟ قالت: نعم إن وفيتم فدونكم. فأخبروا قومهم وانتقلوا جميعا وابتنوا بها [2] المنازل والبيوت ونشأ إسماعيل عليه السلام مع أولادهم وكانت لغتهم العربية الصحيحة وهي لغة أولاد بني معدّ التي نزل القرآن بها وشب إسماعيل حتى بلغ الحلم فصار أذربهم [3] لسانا وأحسنهم لغة فقسموا له من أموالهم قسمة حتى صار أكثرهم إبلا وغنما. وأعطاه الله القوس فكان لا يرمي شيئا إلا أصابه، وأخرج الله تعالى له من البحر ماية فرس ثم ساقها الملائكة [4] إليه فركبها وكان
(1) في (ب) : تبارك وتعالى.
(2) في (ب) و (ج) : فيها.
(3) في (ب) و (ج) : أدراهم.
(4) في (ج) : وساقتها الملائكة إليه.