ثم إن الله تبارك / وتعالى، وهو الواحد القهار، ينصر من يشاء من عباده، سلط على الخارجي الرعاف، فاستمر به ذلك ثلاثة أيام حتى ضعف جدا، وجعل يخلط في الكلام واختل عقله. فلما تحقق ذلك أركان دولته ووجوه عسكره، تيقّنوا بخذلانه، فداخلهم الخوف فتفرقوا شذر مذر، وهرب الخارجي مع ضعفه إلى طرف روم إيلي. فلما شاهد ذلك عسكر السلطان مراد، اجتازوا النهر، فساقوا خلف المنهزمين، فأسروا منهم خلقا كثيرا، وقتلوا غالبهم، وغنموا منهم أموالا ودوابا كثيرة. ثم أمر السلطان بعض أمرائه حتى لحقوا الخارجي بقرب أدرنه، فظفر به فقتله.
وفي سنة تسع وأربعين وثمانماية، نزل السلطان مراد خان عن السلطنة لولده السلطان محمد خان، وخلع نفسه عن السلطنة، واختار لنفسه مدينة مغنيسا، فاعتزل بها عن الملك. وشاع هذا الخبر في الآفاق، وقال ملوك الكفار بعضهم لبعض: إن ملك المسلمين قد صار شيخا كبيرا فاعتزل عن الملك، وجعل منصبه لولده، وهو صبي صغير لا يخشى منه. فاتفق قرال أنكروس، وقرال ألمان، وقرال جه، وأمير لاطين، وأمير بوسنة، وصاحب بوليه، وصاحب أفلاق، وطايفة الإفرنج على قتال المسلمين، وأن لا يدعوا من بلاد الإسلام حجرا على حجر.
فلما بلغ ذلك أركان الملك، خافوا واسترهبوا، واستصوبوا أن يدعوا السلطان مراد من مغنيسا ليكون معهم، لأنه سلطان شاع بذكره الأخبار، وطال ما أنكى الكفار. فأرسلوا يطلبونه، فامتنع وقال: سلطانكم دونكم، فخذوه وخلّوني!. فلم يزالوا يدخلون [1] عليه حتى رضي، وسار مع ولده السلطان محمد إلى طرف العدو.
فلما تصاف الطائفتان والتقى الجمعان، تكاثر كل من الفريقين على الآخر، واتفق أن انهزم [2] المسلمون، وجعل الكفار يطردونهم ويقتلونهم، ولم
(1) الأصل: «يبرمون» وما هنا من (ب) و (ج) .
(2) الأصل: «انهزمت» وما هنا من (ب) و (ج) .