فلما دخل السلطان محمد خان المدينة، نظر إلى جانبه، فإذا وزيره ابن ولي الدين واقف عنده، فقال: «هذا ما أخبر به الشيخ!» . وقال: «ما فرحت بهذا الفتح، وإنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زماني!» .
ومن مناقب هذا الشيخ أنه كان طبيبا يداوي الأبدان، كما هو طبيب لداء الأرواح، حتى يحكى أن الأعشاب كانت تناديه، وتقول له: أنا أنفع من المرض الفلاني [1] .
وكان فتح المدينة نهار الأربعاء، العشرين [2] من جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسين وثمانماية. وكانت أيام محاصرته أحدا وخمسين يوما، فغنم المسلمون من الأموال والأسباب والدواب ما لم يسمع بمثله في عصر من الأعصار، لأن السلطان، لما شاهد العي والفتور من العسكر في الحصار، أمر بأن ينادى [3] أن الغنائم كلها لهم، ويكفيني فتح المدينة. فلما بلغهم ذلك، بذلوا جهدهم واجتهدوا حتى يسر الله لهم فتح المدينة.
فلما شاع خبر هذا الفتح إلى الآفاق، هابه ملوك العالم، فأرسل إليه صاحب مصر، وصاحب العجم، وصاحب العرب، بالمكاتبات والمراسلات يهنونه بالفتح.
ولا شك أن هذا الفتح من أعظم الفتوحات الجليلة، وكم رام من الخلفاء والملوك فتح هذه المدينة، وصرفوا همهم وبذلوا جهدهم وأموالهم [4] ، وأفنوا أعمارهم وعساكرهم، فلم ينالوه، وإنما حباه الله تعالى لهذا السلطان الجليل، والملك الجميل، ولكونه أعلم الملوك وأعدلهم، وأحسنهم سيرة وأخلصهم نيّة وطوية، وضمن بعضهم هذا المعنى في تاريخ الفتح، فقال:
(1) أخبار مناقب الشيخ ساقطة في (ب) .
(2) في (ب) و (ج) : «لعشرين» .
(3) كذا في (ج) وفي (ب) : «أمر منايا» .
(4) كذا في (ج) وفي (ب) : «وصرفوا دراهمهم، وبذلوا أموالهم وأفنوا أعمارهم» .