مقدار ما رام وطلب، وتوجه إلى الديار الشامية، ليأخذ ثأره من جماعة / الينكچرية.
فلما بلغهم ذلك استقبلوه إلى مدينة حماه، ومعهم محمد باشا الطواشي [1] ، نائب الشام، وعامة الجيوش من الكماة، فالتقى الجمعان، وتلاطم البحران، فما كان غير ساعة حتى دهمهم خلق ليس لهم لمقاومتهم طاقة، فولّوا على أدبارهم منهزمين، وقالوا: «الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين!» . فغنم [1]
الأشقياء أموالهم وأرزاقهم، وخيمهم ودوابهم، وكانت ساعة الله بها عليم، مما شاهدوه من العذاب الأليم.
واستمر ابن جان بلاط في أثرهم حتى وصل إلى حدود الشام، فاستقبله الأمير فخر الدين ابن معن بمن معه من الدروز وطائفة السكمانية، فوصل إلى البقاع، وأناخ هناك مدة، وجعل يراسل طائفة الينكچرية، وهم لا يتحركون بحركة، فجعل يقدم رجلا ويؤخر أخرى، حتى قوى قلبه بعض الأشقياء، فنهض نهضة أنام منها الأنام، وأقام قومة أقام بها ساعات القيام، فتوجه نحو مدينة الشام.
فلما بلغ العساكر الشامية ذلك، خرجوا إلى أرض العراق ومعهم من العشاير والقبايل والعربان وعامة الرعايا ومشايخ البلدان، بحيث لا يحصيهم إلا الملك الديان.
فلما كان نهار الأحد ثامن عشري جمادى الأولى، اجتمع الفريقان، وامتزج البحران. فما كان غير ساعة من نهار، ورأوا أن لا طاقة لهم على القرار، ولم يكن لهم إلا الفرار، تفرق عنهم القبائل والعشائر، ورجع إلى المدينة بعض العساكر، والغالب منهم توجهوا نحو البلاد. فوصل ابن جان بلاط [2] بمن معه إلى خيمهم، واستولوا على أموالهم وأرزاقهم، ونصب خيمه بأرض قرية المزة.
(1) جمعه طواشية، وهم المماليك الخصيان.
القلقشندي، صبح 5/ 456، 489
(2) كذا في (ب) وفي (ج) : «جانبلاط» .