بالفجاج، والوزير المكرم كالسيف الصارم والشجاع الحازم، فدأبه السجود وتمرغ وجهه على التراب، وهو يبكي ويتضرع، ويطلب النصر من الملك الوهاب.
واستمر الحرب إلى آخر النهار، فانتصرت العساكر الإسلامية المحمدية، والجيوش الأحمدية، فلم يبق لابن جان بلاط مجال للقرار، فصوب عنان فرسه للفرار، وجعل الجيوش العثمانية يطردونهم، ويقتلونهم ويأسرونهم، فقتلوا من عسكره ما تفرست المفاوز بجثثهم وأبدانهم، وجرت الشعاب والأودية بدمائهم، فوصلوا إلى خيمهم واستولوا على أموالهم وخيولهم.
وأما ما كان من أمر ابن جان بلاط، فإنه في بحر الحيرة سبح، وعمل بقول من نجا برأسه فقد ربح، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وأخذ من الأموال ما استخف حملها، وتوجه إلى بلاد الروم، فالتجأ إلى العتبة العلية السلطانية، فأرسل يقول إنه رجع وتاب مما فعله، وقال: «أنا عبد من عبيد هذا الباب!» . فقال السلطان: «عفا الله عما سلف، ولو كان ذنبه يستحق به الخنق والتلف!» . فولاه نيابة مدينة دمشوار، من أعمال روم إيلي.
وفي نهار السبت سابع رجب دخل الوزير / مدينة حلب، وتسلم قلعتها من غير نكد ولا تعب، واستولى على ما ادخره ابن جان بلاط من الذخائر ونفائس الأموال التي جمعها من العباد، وأقام بها إلى أن بلغه أن الشقي قره سعيد، ومن معه من كل طريد وعنيد، عليهم مقامع من حديد، يوم يقول لجهنم: «هل امتلأت؟ وتقول هل من مزيد؟» ، عازمين إلى لقائه، متّع الله المسلمين ببقائه، بمحاربة جيوش الموحدين، فتوجه إلى لقائهم، في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وتلاقيا نهار الثلاثا، الثالث عشر ربيع الآخر، بأرض كوكسون، من أعمال مدينة مرعش [1] . فتقابل العسكران، وتلاطم البحران،
(1) بلدة من الشام بينها وبين أنطاكية ثمانية وسبعون ميلا.
أبو الفدا، تقويم: 263262.