فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 1031

ثم بعد ذلك بدّل سيرته الصالحة بأن أظهر التكبر والجبروت على وزرائه وقواده، وآثر اللذات وترك كثيرا من السياسات التي كان يتولاها بنفسه، وعلّم بيوراسب، وكان من جملة عماله باستيحاش الناس من جمشيد، وتنكر خواصه عليه، فقصده بعد أن كثرت أتباعه وقويت شوكته، وهرب جمشيد وتبعه بيوراسب حتى ظفر به، فقتله بأن وضعه بين دفتين ونشره بمنشار.

ثم ملك بيوراسب الضحاك، وكان يقال له الدهاك، ومعناه عشر آفات، فلما عرّب / قيل الضحاك، وملك الأرض كلها وسار فيها بالجور والعسف، وبسط يده بالقتل وسن الأعشار والمكوس، واتخذ المغنين والملهين، ويقال إنه هو النمرود، لعنه الله.

وكان أول من سن الصلب والقطع. وكان على منكبيه سلعتان، ويدّعي أنهما حيتان تضطربان إذا جاعتا، فلا تسكنان حتى تطعما بدماغ إنسان، وكان يذبح لهما، كل يوم، رجلين من الذين كانوا يستحقون القتل. فلما تم من كان في سجنه، أمر بأن يجمع من العامة من كان مجرما وغير مجرم، وكانوا يقرعون القرعة على أهل الأمصار والقرى، فمن وقع عليه أخذوه. فلم تزل الناس في هذا البلاء نحوا من خمسماية سنة، حتى أراد الله إهلاكه.

وكان لرجل حداد من أهل أصفهان، يقال له كابي الحداد، أربعون ولدا، ولم يزالوا يذبحون من أولاده، حتى لم يبق له سوى ولد واحد. فلما أرادوا ذبح ذلك الولد، أخذ كابي المذكور عصا طويلة، وعلّق بطرفها الجلد الذي يستتر به عند شغله، ويتوقّى به النار، ورفعه وصاح في لناس، ودعاهم إلى مجاهدة الضحاك، فاجتمع عنده خلق كثير. وبقي ذلك العلم معظما عند الفرس، ورصّعوه بالجوهر وسموه درفش كابيان، وجعلوه علمهم الأكبر الذي يتبركون به، وهو الذي صار إلى المسلمين في وقعة القادسية، وكانت الفرس لا ينشرونه إلا في أمور عظيمة.

ولما قوي أمر كابي قصد الضحاك، فهرب منه الضحاك، وسأل الناس كابي

أن يتملك عليهم، فأبى لكونه ليس من بيت الملك، فأمرهم أن يملكوا أحدا من ولد جمشيد، وكان أفريذون بن أتقيان، من أولاد جمشيد، وقيل كان رجلا جسيما مليحا، وهو من بقية العمالقة، مقدار قامته سبعة أرماح، وعرض صدره رمح، وكان مستخفيا من الضحاك. فاستبشر الناس به وولوه الأمر مكان الضحاك، وكان كابي أحد أعوانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت