الملك، إن الملك لا يتم إلا بالشريعة، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قيام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين البرّية نصبه الرب وجعله قيّما، وهو الملك!».
فلما سمع الملك ذلك، أقام في موضعه ثلاثة أيام، وأحضر الوزراء والكتّاب وأرباب الدواوين، فانتزعت الضياع من أيدي الصناع من الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها، وحملوا على رسومهم السالفة، فانتظم ملكه حتى كانت أيامه تدعى بالأعياد، ولما عم الناس من الخصب وشملهم من العدل.
وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا وجواهر، وقد كان ساسان أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا وذهبا كثيرا، فقذفه في زمزم، فوصل ذلك لعبد المطلب.
ثم ملك بعده بهرام بن بهرام بن بهرام، فكانت مدة ملكه أربع سنين وأربعة أشهر، وسلك سبيل آبائه من العدل والسياسة، وهو الذي يقال له شهنشاه.
ثم ملك بعده أخوه ترسي بن بهرام تسع سنين.
ثم ملك بعده ابنه هرمز بن ترسي تسع سنين أيضا.
ولما مات هرمز لم يكن له ولد، وكانت بعض نسائه حاملا، فعقد التاج على ما في بطنها فولدت ولدا سموه سابور. فلما اشتد ظهرت منه نجابة عظيمة من صباه، / فكان أول ما ظهر منه أنه سمع ضجيج الناس بسبب الزحمة على الجسر الذي على دجلة بالمداين، فقال: ما هذه الجلبة؟ فقيل: بسبب زحام المارين على الجسر! فأمر أن يعمل إلى جانب الجسر جسرا آخر يكون أحد الجسرين للخارجين والآخر للداخلين، فعملوه وزال الزحام. وكان سنه إذ ذاك خمس سنين، فتعجب الناس من نجابته.
وفي أيام صباه طمعت العرب في بلاده وأخربوها. فلما بلغ من العمر ست عشرة سنة، انتخب من فرسان عسكره عدة كثيرة، وسار بهم إلى العرب، وهم من
ولد أياد بن نزار، وملكهم يومئذ الحارث الأغر الأيادي [وكانوا يصيفون بالجزيرة ويشتون بالعراق] (1) ، وقتل من وجد منهم ووصل إلى الحسا والقطيف، وشرع يقتل ولا يقبل فداء. ثم سار إلى اليمامة وسفك بها الدماء، ولم يمر بماء للعرب إلا غوّره، ولا ببئر إلا طمها، فعمهم القتل، فما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم، وصار ينزع أكتاف العرب حتى نزع، فيما قيل، كتف سبعين ألف رجل، فلذلك سمي سابور ذو الأكتاف، وصار لقبا عليه.