وفي أيام صباه طمعت العرب في بلاده وأخربوها. فلما بلغ من العمر ست عشرة سنة، انتخب من فرسان عسكره عدة كثيرة، وسار بهم إلى العرب، وهم من
ولد أياد بن نزار، وملكهم يومئذ الحارث الأغر الأيادي [وكانوا يصيفون بالجزيرة ويشتون بالعراق] [1] ، وقتل من وجد منهم ووصل إلى الحسا والقطيف، وشرع يقتل ولا يقبل فداء. ثم سار إلى اليمامة وسفك بها الدماء، ولم يمر بماء للعرب إلا غوّره، ولا ببئر إلا طمها، فعمهم القتل، فما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم، وصار ينزع أكتاف العرب حتى نزع، فيما قيل، كتف سبعين ألف رجل، فلذلك سمي سابور ذو الأكتاف، وصار لقبا عليه.
وقد أتى في مسيره على بلاد البحرين، وفيها يومئذ بنو تميم فأمعن في قتلهم، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مرة وله من العمر الماية [2] سنة، وكان يعلق في عمود البيت في قفة قد اتخذت له.
فلما سمعوا بمسير سابور إليهم رحلوا وأرادوا حمله معهم، فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم، وقال: «أنا هالك اليوم أو غدا، ولعل الله ينجيكم من صولة هذا الملك!» . فخلوا عنه وتركوه، فأصبحت خيل سابور في الديار، فلم يجدوا أحدا. فلما سمع عمرو صهيل الخيل وهمهمة الرجال، أقبل يصيح بصوت ضعيف، فنظروا إلى قفة معلّقة في شجرة، فأخذوه وجاءوا به إلى سابور.
فلما وضع بين يديه، نظر إلى دلايل الهرم ومرور الأيام عليه ظاهرة، فقال له سابور: «من أنت أيها الشيخ الفاني؟» . قال: «أنا عمرو بن تميم، وقد بلغت من العمر ما ترى، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل، وأنا أسألك عن أمر إن أنت / أذنت لي فيه!» . فقال له سابور: «قل نسمع!» . فقال: «ما الذي حملك على قتل رعيتك من رجال العرب؟» . فقال: «أقتلهم لما ارتكبوا في بلادي وأهل مملكتي!» . فقال عمرو: «فعلوا ذلك ولست عليهم بقيّم فلما ملكت رجعوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك!» . قال سابور: «وأقتلهم لأنا نجد في مخزون علمنا وبأخبار أوائلنا أن العرب ستدال علينا» . قال عمرو: «وهذا أمر تظنه أم تتحققه؟» .
(1) ما بين الحاصرتين من (ب) و (ج) .
(2) في الأصل و (ج) : «ثلثماية» وما أثبتناه من (ب) كونه أقرب إلى المعقول.