قال: «بل أتحققه، ولا بد أن يكون ذلك!» . قال عمرو: «فإن كنت تعلم ذلك فلم تسء إلى العرب، والله لئن تبقي العرب وتحسن إليهم، فيكافئوا قومك عند إزالة الدولة لهم بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدة كافوك عند مصير الأمر إليهم فيبقون عليك!» . فقال سابور: «الرأي ما قلت، ولقد صدقت ونصحت!» . فرفع السيف وانكف عن قتلهم. ويقال إن عمروا بقي بعد ذلك ثمانين سنة.
وفي «سلوان المطاع» أن سابور، لما أراد أن يدخل بلاد الروم متنكرا، نهاه نصحاؤه وحذروه، فلم يسمع كلامهم، فسار واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله، وكان شيخا ذا دهاء وسداد ورأي، عالما بالديانات واللغات والمكايد، فتوجها معا نحو الشام فتزيّا الوزير بزي الرهبان، وتكلم بلسان الجلالقة، وتحرّف بصناعة الطب الجراحي، وكان معه الدهن الصيني إذا دهنت به الجراحات برئت واندملت في الحال، ولا يأخذ على تلك المداواة أجرا، فانتشر صيته في البلاد.
فلما طافا بلاد الشام وقصدا القسطنطينية فقدماها، فصادفا وليمة لقيصر، وقد اجتمع بها الخاص والعام، فدخلاها في جملتهم، وجلسا على موايدهم، وقد كان قيصر قد أمر مصوّرا فصور صورة سابور على أوانيه والستائر والأبواب.
وكان في المجلس رجل من حكماء الروم ودهائهم وقعت عينه على سابور، فأنكره، وجعل يتأمل شخصه، فرأى عليه مخايل الرياسة، وتأمل صورة سابور في كأس كانت بيده فتحقق أنه سابور، فعند ذلك نقر الحكيم جامه الذي بيده ووضعه على أذنه، فقال له قيصر: «ماذا تسمع أيها الحكيم؟» . فقال: «يعلم الملك أن الجام يقول لي إن صاحب هذه الصورة التي عليه موجود [1] معنا في مجلسنا هذا!» . وبحثوا عنه فعرفوه، فعرض ذلك على قيصر فقبض عليه.
فلما مثل بين يديه، سأله عن خبره فقال: «أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته!.» فلم يقبل ذلك منه، وقدّم إلى السيف، فأقر بنفسه فعملت له من جلود البقر صورة بقرة، كأعظم ما يكون من البقر، تسع طاقات، واتخذ له باب من
(1) كذا في (ب) وفي (ج) : «حاضر» .