فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 1031

ولما بنى أنو شروان هذا السور، هابته الملوك وهادته. وكان فيمن ورد عليه رسول ملك الروم قيصر بهدايا وتحف، فنظر إلى إيوانه وحسن بنائه، ورأى اعوجاجا في ميزانه، فسأل عن سبب ذلك، قيل له: «إن عجوزا لها منزل في جانب

الإعوجاج، وإن الملك أرغبها في الثمن، فأبت ولم يكرهها، وبقي الإعوجاج من ذلك على ما ترى!». فقال الرومي: «هذا الإعوجاج أحسن من الاستواء!» .

ولأربع وعشرين سنة خلت من ملكه، ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك ولد النبي صلّى الله عليه وسلّم في السنة الثانية والأربعين من ملكه. وكفى بعدله شهادة النبي صلّى الله عليه وسلّم في حقه حيث قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى أنو شروان.

وكان ملكا عادلا عاقلا، مهيبا محببا للرعية، وله أفعال حسنة وآثار جميلة.

وكان يسمى كسرى الخير، وكان وزيره بزرجمهر الحكيم.

وفي «المستطرف» أن كسرى أنو شروان كان له معلم حسن التأديب، يعلمه في حال صباه، حتى فاق في العلوم، فضربه المعلم يوما بغير ذنب فأوجعه، فحقد أنو شروان عليه. فلما ولي الملك، قال للمعلم: ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما! قال له: لما رأيتك ترغب في العلم، رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم! فقال أنو شروان: زه، زه!. /

وكانت مدة ملكه ثمانيا وأربعين سنة [1] .

ثم ملك بعده ابنه هرمز بن أنو شروان. وكان عادلا يأخد للدّنيّ من الشريف، وبالغ في ذلك حتى بغضه خواصه. وكان اصطنع صندوقا ليلقي المتظلم قصته فيه، والصندوق مختوم بخاتمه لئلا تصل إليه أيدي بطانته ومرزبانيته، ثم أمر باتخاذ سلسلة من الطريق نافدة إلى مكانه، وجعل فيها أجراسا، وكان المتظلم يجيء فيحرك السلسلة، فيعلم به، ويتقدم بإحضاره وإزالة ظلامته.

وكان مهيبا، سايسا، قتّالا، جوادا، مضى من ملكه عشر سنين، ولم يتحرك أحد بحركة، لأن أباه كان مهد الملك وسخر الرعية. ثم خرج عليه عدة أعداء،

(1) توفي في سنة 688للاسكندر.

أبو الفدا، المختصر 1/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت