فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 1031

فلما خلي المكان، تقدم الرسول وقال له: «اعلم اني أنا ملك الصين لا رسوله، وقد حضرت بين يديك لأسألك عما تريد مني، فإن كان مما يمكن الانقياد له، ولو على أصعب الوجوه أجبت إليه، واستغنيت أنا وإياك عن الحرب!» . فقال له الاسكندر: «وما أمّنك مني؟» . قال: «لعلمي بأنك رجل عاقل، وأنه ليس بيننا عداوة متقدمة، ولعلمي أنك تعلم أن أهل الصين متى قتلتني لا يسلمون إليك

ملكهم، ولم يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا ملكا من أولادي، ثم تنسب أنت إلى عين [1] الجهل وضد الحزم!».

فأطرق الاسكندر مفكرا في مقالته، ثم رفع رأسه إليه، وقد تبين له صدق مقالته، وعلم أنه رجل عاقل، فقال: «أريد منك ارتفاع ملكك ثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاعه في / كل سنة» . فقال ملك الصين: «هل غير هذا؟» .

قال: «لا!» . قال: «قد أجبتك إلى ذلك!» . قال الاسكندر: «قنعت منك لأجل مجيئك على السدس» . فشكره وانصرف.

فلما أصبح الصباح وطلعت الشمس، أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض كثرة، وأحاط بجيش الاسكندر حتى خافوا الهلاك، فتواثبوا إلى خيولهم، فركبوها واستعدوا. فبينما هم كذلك، إذ ظهر ملك الصين على فيل عظيم وعلى رأسه التاج.

فلما وصل إلى الاسكندر، ترجل ومشى إليه، وقبل الأرض بين يديه، فقال الاسكندر: «أغدرت؟» . فقال: «لا والله!» . فقال: «ما هذا الجيش؟» . قال:

«أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلّة ولا ضعف ولا ذلّة، والذي غاب عنك من الجيش أكثر مما ترى، لكني لما رأيت العالم الأثير مقبلا عليك، ممكّنا لك ممن هو أقوى منك وأكثر عددا، فعلمت أن من حارب الإله غلب وقهر، فأردت طاعته بطاعتك، والذلة لأمره بالذلة لك!» . فقال له الاسكندر: «ليس ينبغي أن يؤخذ من مثلك، وما رأيت أحدا يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك عن جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك!» . فقال له ملك الصين: «أما إذا فعلت فإنك لا تخسر!» . ثم قدم له ملك الصين، من الهدايا والتحف، أضعاف ما أمله، ورحل الاسكندر عنه.

وفي «ابتلاء الأخبار» أن الاسكندر، لما سار في الأرض، سمعت به ملكة الصين الأقصى، فأحضرت من أبصر صورة الاسكندر ممن يعرف التصوير،

(1) الأصل: «غير» وما هنا من (ج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت