فركب على فرسه الأشهب، وعليه ثياب بيض وعمامة، متقلدا بسيفين وبيده الرمح، فصف له ملك الروم عسكره بالخيل يمينا وشمالا من باب أدرنة إلى باب أيا صوفيا، وهي كنيستهم العظمى، كلما مر بقوم ساروا خلفه، وقد رمقوه بأبصارهم وهم متعجبون من شجاعته وشدة جرأته.
فلم يزل يتقدم حتى وصل إلى باب الكنيسة، فخرج إليه ملك الروم أليون وقبّل يده، ودخل الكنيسة وهو راكب على فرسه، فجزعت الروم من ذلك جزعا شديدا.
فلما دخل الكنيسة نظر إلى صليبهم الأعظم، وهو موضوع على كرسي من ذهب، وعيناه ياقوتتان حمراوتان، وأنفه زبرجدة خضراء، فلما نظر مسلمة إلى الصليب أخذه، فوضعه على قربوس سرجه، فقال الرهبان لأليون: «لا تدعه!» ، فقال له أليون: «إن الروم لا ترضى بهذا!» . فحلف أن لا يخرج حتى يأخذه معه.
فقال أليون للروم: «دعوه يخرج به، ولكن عليّ مثله، وإلا دخل عليكم البطال إن استبطأه» . فأخذه وخرج وهو راكب، وأليون ماش في خدمته. فخرج والصليب على رأس رمحه بعد العصر.
وكان القوم قد هموا بالدخول، فلما نظروا إليه كبّروا تكبيرة واحدة كادت الأرض تمور بهم، وسرّوا بخروج مسلمة سرورا عظيما. فأرسل أليون له المال الذي عهد به، ومعه تاج مرصع، فباعوا التاج من بعض بطارقة الروم بماية ألف دينار، ثم عرض الناس فكانوا يومئذ / أربعة وأربعين ألف رجل، قد أصابهم الجهد، فقسم المال بينهم، ثم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال: «أيها الناس، إني في غمرات الموت منذ سبع سنين، لم أحب أخبركم، وكرهت أن أفشلكم عن قتال عدوكم، وقد توفي خليفتكم عبد الملك، وولي ابنه الوليد فمات، وقد ولي أخوه سليمان بن عبد الملك فبايعوا له!» .
فأقاموا بعد ذلك ثلاثة أشهر بالجزيرة حتى أصلحوا سفنهم، ثم أمر أبا
محمد البطال أن يحمل المسلمين في السفن، فلم يزل ذلك دأبة حتى عدى الناس كلهم، وبقي مسلمة في الجزيرة مع ماية فارس، فمضى إلى باب القسطنطينية، فخرج إليه أليون فسلم عليه، فلم يصافحه مسلمة، فقبّل أليون رجله وودعه، فعبر السفينة هو والماية فارس، ولم يتخلّف بالجزيرة منهم أحد، وتوجهوا نحو بلادهم.