ثم برز لأهل مصر حين أحبوا أن ينظروه، فعرض نفسه في صورة هالتهم، وملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا على وجوههم، ثم غاب عنهم، ولم يروه بعد ذلك.
ثم ملك مكانه خليفته عبقام المذكور فعدل فيهم، وعمل مدينة عظيمة عجيبة قريب العريش جعلها لهم حرسا. وقيل إن إدريس رفع في زمانه، ولم يطل ملكه.
ثم ملك بعده ابنه غرياق، فتجبر وأقبل على صيد السباع والوحوش.
ومن عجايبه أنه عمل شجرة من نحاس ذات أغصان، ولطّخها بدواء مدبر، فكل وحش يصل إليها لم يستطع الحركة حتى يؤخذ، فشبعت الناس في أيامه من لحوم الصيد والوحش. وقيل إن هاروت وماروت كانا في أيامه.
وكان فاسقا يجلب النساء بسحره ويغتصبهن، فاحتالت عليه امرأة فسمته.
ثم ملك بعده لوجيم بن نقراس. فلما جلس على سرير الملك، ولبس تاج أبيه، سار في الناس بالعدل والإحسان، ووفور الشفقة للرعية.
وفي زمانه كثرت الغربان والغرانيق، فأهلكت الزرع، فعمل أربع منارات من نحاس في أربع جوانب بلدة أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب في فمه حية قد التوت عليه، فلم يقربهن شيء من الطيور. فلم يزل ذلك إلى أن كان الطوفان، فأزال تلك المنارات.
ثم ملك بعده خصليم الملك، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وعمّر بيتا من رخام على حافة النيل، وجعل في وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافة البركة عقابان من نحاس ذكر وأنثى، فإذا كان أول الشهر الذي يزيد فيه النيل، فتح البيت وجمع الكهنة فيه بين يديه، وتكلم رؤساء الكهان بكلام لهم حتى يصفّر أحد العقابين، فإن صفّر الذكر كان الماء تاما، وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، فيعتدون لذلك. وهو الذي بنى القنطرة التي ببلاد النوبة على النيل.