ثم ملك بعده هرصال الملك، فبنى مدينتين: مدينة بالمشرق، وهي ذات عجايب كثيرة، وعمل في وسطها صنما للشمس يدور بدورانها، ويبيت مغربا ويصبح مشرقا، ومدينة بالمغرب، وهي / على صفتها.
ويقال إن نوحا عليه السلام، ولد في زمانه.
وولد له عشرون ولدا، وجعل مع كل ولد منهم ناظرا وهو رأس الكهنة.
وكان يعبد الكواكب، فاختفى عن عيون الناس.
ثم قام بنوه على حالهم، كل واحد منهم في قسمته التي اقتطعه إياها، حتى مضت عليه سبع سنين. ثم وقع بينهم تشاجر وتخالف، فاجتمع رؤوس الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم في قسمته، فأجمع أمرهم على أكبر أولاده فولوه، وهو ندرسان، فسار بسيرة أبيه وحمد الناس أمره، فعمل قصرا من خشب ونقشه بأحسن النقوش، وصوّر فيه صور الكواكب وحمله على الماء، وكان يتنزه عليه، فبينما هو يتنزه يوما إذ زاد النيل زيادة عظيمة، وهبت ريح عاصفة، فوقع القصر وهلك الملك.
وكانت له امرأة ساحرة من بنات عمه، فكتمت عن الناس موت الملك، وكان يخرج أمرها ونهيها إلى الوزراء عنه، فأقام الناس تحت طاعتها تسع سنين لا يعلمون بأمر الملك.
فلما رأى إخوته طول غيبته، جمعوا عليها جموعا كثيرة، وقدموا على أنفسهم أحدهم، وهو شمرود الجبار، وساروا إلى مدينة أمسوس، وتحاربوا معها وغلبوا عليها، وأيقنوا بهلاك الملك.
وجلس على سرير الملك شمرود المذكور، فسرّ الناس به ووعدهم بحسن السيرة فيهم. وطلب امرأة أخيه الساحرة وابنها ليقتلهما، وهربت هي وابنها إلى مدينة الصعيد، وكان أهلها كلهم كهانا وسحرة، فامتنعت بهم، ثم ادعت السلطنة لابنها، ودعت الناس إلى حرب شمرود، وزحف إليه ابن الساحرة، وقد عمل له
السحرة أصنافا من التخاييل الهايلة والنيران المحرقة، فأقامت الحرب بينهم أياما، وهزم شمرود وإخوته وتحصّنوا ببعض الجبال.