وكان كثير الغزو، ثم غزا يريد مدينة أسطا في الغرب، وملكتها ساحرة. فلما قرب منها / سترت مدينتها بسحرها، فلم يروها، وطمست المياه فلم يعرفوها،
فهلك أكثر العساكر فرجع. ثم عملت الساحرة بعض أدوية وأمرت بعض قومها، فألقاها في النيل، ففاض الماء وأفسد الزرع والغلال، وكثرت في بقية الماء التماسيح والضفادع، وظهرت العلل في الناس، وظهرت في أرضهم الثعابين والعقارب، فجمع ماليق الكهنة والحكماء، وسألهم عن هذه الحوادث، فأخبروه أنها من أعمال ساحرة أسطا. فأمرهم بالاجتهاد في هلاكها.
فلما أمسى الملك، لبس المسوح وافترش رمادا واستقبل القبلة، وأقبل على الابتهال إلى الله تعالى والتضرع، وقال: «يا رب، أنت إله الآلهة، وخالق الخلق، ولا يكون شيء إلا بقضائك، أسألك أن تكفيني أمر هذه الساحرة!» .
وغلبته عيناه فرأى رجلا يقول له: قد رحم الله تضرعك، وأجاب دعاك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمرهم، وصارف عنك هذه البلية. فلما أصبح أتاه الكهنة ودعوه إلى الحضور معهم إلى الأصنام. فقال لهم: «قد كفيتكم أمر عدوكم، وأهلكتهم، وأزلت المياه الفاسدة والدواب المضرة عنكم» . فنظر بعضهم إلى بعض كالمستهزئين به، ثم مضوا إلى مكانهم ينتظرون صحة مقال الملك.
فلما كان بعد يومين، انكشف ذلك الماء الفاسد، وهلكت تلك الدواب المضرة، فعلموا أن الذي أخبرهم به حق، فأرسل قايدا لينظر حال تلك القوم، فأتاهم، فوجدهم قد سقط عليهم حصن، وقد هلكوا بأجمعهم، واحترقوا، واسودت وجوههم، ووجدوا الأصنام متنكسة [1] على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم.
فطاف بالمدينة فلم يجد بها غير رجل واحد، كان مخالفا لهم، فأخبر الملك، ونقل تلك الأموال والجواهر التي لا يحصيها إلا الله تعالى. وأمر بإحضار الرجل، فسأله، وأعجب بكلامه وعقله، فاستوزره.
ولم يزل الملك على التوحيد حتى مات، وأوصى أن يعمل له ناووس، وأن
(1) كذا وفي (ب) و (ج) : «منكسة» .