وكان الوليد بن دومع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان، ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها ويعتدل عليه جسمه. فلما صار بالشام أنهي إليه خبر مصر وعظم شأنها، وأن أمرها قد صار إلى النساء وباد ملوكها، فوجه غلاما له يقال له عون مع جيشه، فسار إلى مصر وفتحها، واستباح أهلها وحوى على أموالها [1] . ثم سار الوليد بن دومع المذكور إلى مصر ودخلها، واستباح أموالها وقتل جماعة من كهنتها. ثم سنح له أن يخرج ليقف على مصب النيل، فأصلح ما يحتاج إليه واستخلف عونا على البلد، وخرج في جيش عظيم، فلم يمر بأمة إلا أبادها، فيقال إنه أقام في سفره أربعين سنة، وأنه مر على أمم السودان وجاوزهم، ومر على أرض الذهب وفيها قضبان نابتة. ولم يزل يسير حتى وصل إلى البطيحة التي ينصبّ ماء النيل إليها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر، وهو جبل عال لا يطلع عليه القمر لخروجه من خط الاستواء.
فلما رجع الوليد إلى مدينة مصر، أقام بها واستعبد أهلها، واستباح حرمها وأموالها. وكان ملكه [2] ماية وعشرين سنة، فسلط الله عليه سبعا افترسه وأكل لحمه. وقيل إنه آذاه ضرسه فقلعه، فكان وزنه ثمانية عشر منّا وثلثي منّ، وقس على ذلك عظم جثته.
ثم ملك مكانه ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف [الصديق] [3] ، عليه السلام، والقبط تسمية نهراوش. وكان عظيم الخلق، جميل الوجه، عاقلا متمكنا، منكرا لأوضاع أبيه، وأسقط عن الناس خراج ثلاث سنين، فأثنوا عليه وشكروه، فأستوزر رجلا من أهل بيته يقال له قطفير، وهو الذي تسميه العرب بالعزيز، وهو الذي اشترى يوسف [الصدّيق] [4] ، عليه السلام، وقال لأهله:
«أكرمي مثواه» . وكان عاقلا أديبا متمكنا.
وكان خراج مصر في زمانه سبعة وستين ألف ألف مثقال من الذهب.
(1) كذا في (ب) وفي (ج) : «وحوى على أموالها» .
(2) في الأصل و (ج) : «ملكهم» وما هنا من (ب) .
(3) ما بين الحاصرتين من (ج) .
(4) ما بين الحاصرتين من (ج) .