حاله، وأقام طلما الوزير يدبّر أحوال الناس احدى عشرة سنة، ثم اضطرب الناس لفقد ملكهم، واتهموا الوزير بقتله فقال: «ما قتلته، بل غاب!» .
وولي الملك بعده ابنه لاطس، فجلس على سرير الملك. وكان جريئا معجبا، فوعد الناس جميلا، وعزل طلما عن الوزارة، واستخلف رجلا يقال له لاهوق من ولد صا الأكبر، ونفد طلما عاملا على الصعيد، وبعث معه جماعة من بني إسرائيل، فجدّد بناء الأعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة وجعلها مقرا لنفسه.
ثم إن الملك تجبّر وعلا أمره، وأمر أن لا يجلس أحد في مجلسه، بل يقومون على أرجلهم إجلالا له، وبالغ في أذى الناس وأخذ أموالهم ونساءهم، واستعبد بني إسرائيل، فأبغضه الخاص والعام. فلما استولى طلما على الصعيد، خالف الملك ووضع يده على أموال الصعيد وخزاينه، فلم يرسلها للملك، وادّعى الملك لنفسه، وكاتب وجوه أهل البلاد، فأجابه بعض وتوقف عليه آخر [1] ، فبعث إليه الملك جيشا مع قائد من قواده، فحاربه، فظفر به طلما واعتقله، ثم انفد إليه قائدا آخر، فحاربه وظفر به طلما. ثم سار الملك بنفسه، فحاربه وانكسر / فقتل نفسه. ثم سار طلما بعسكره حتى دخل منف.
فلما جلس طلما بن قومس على سرير الملك حاز جميع الخزائن والكنوز، ورتب مراتب الناس ورعى أحوالهم، وهذا الذي يذكر القبط أنه فرعون موسى، عليه السلام، وأهل الأثر يسمونه الوليد بن مصعب وأنه من العمالقة.
وكان قصيرا طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، وكان أعرجا [2] . فسار بالناس سيرة حسنة، وأظهر الجود والعدل للخلق بقضاء الحق ولو على نفسه، وعمّر البلاد، فأحبه الناس، وعاش زمانا طويلا حتى مات منهم ثلاثة قرون وهو باق، فبطر وتجبر، وقال: «أنا ربكم الأعلى!» . وقيل مكث
(1) كذا في (ب) وفي (ج) : «وتوقف بعض» .
(2) في الأصل: «أعرج» .