وحكى ابن زولاق في تاريخه أن رجلا من الأندلس بالجزيرة الخضراء، اصطاد جارية منهن حسناء الوجه، سوداء الشعر، حمراء الخدين، نجلاء العينين كأنها القمر ليلة تمامه، كاملة الأوصاف، فأقامت عنده سنين، وأحبها حبا شديدا، وأولدها ولدا ذكرا، وبلغ عمره أربع سنين. ثم إنه أراد السفر فاستصحبها معه ووثق بها. فلما توسطت البحر أخذت ولدها وألقت نفسها في البحر، فكاد الرجل أن يلقي نفسه خلفها حسرة عليها، فلم يمكنه أهل المركب من ذلك. فلما كان بعد ثلاثة أيام ظهرت له، وألقت إليه صدفا كثيرا فيه در وسلمت عليه، ثم تركته، فكان آخر العهد بها.
فتبارك الله ما أكثر عجائب خلقه، وقد أودع الله من عجائب المخلوقات والمصنوعات في الآفاق والسماوات، كما قال الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهََا وَهُمْ عَنْهََا مُعْرِضُونَ} الآية [1] . فمن شهد حجر المغناطيس وجذبه الحديد، وكذلك حجر الماس الذي يعجز عن كسره الحديد ويكسره الرصاص، ويثقب الياقوت والفولاذ، ولا يثقب الرصاص، يعلم أن الذي أودعه هذا السر قادر على كل شيء، فعجايب الأشياء من آياته كما قيل:
ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ومن العجب ما نقله الشافعي، رحمه الله، أنه قال: «دخلت بلدة من بلاد / اليمن فرأيت بها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن امرأة، ومن وسطه إلى أعلاه بدنان مفترقان برأسين ووجهين وأربع أيد، وهما يأكلان ويشربان ويتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان» . قال: «ثم غبت عنهما قليلا ورجعت، فقيل لي أحسن الله عزاك في أحد الشقّين، قيل ربط في أسفله حبل وثيق حتى ذبل، ثم قطع، ورأيت الجسد الآخر في السوق ذاهبا وراجعا» .
(1) سورة يوسف الآية: 105.