ففي أواخر عام سبعة عشر وثلاثماية لم يشعر الحجاج يوم التروية بمكة إلا وقد وافاهم عدو الله في عسكر جرار، فدخلوا بخيلهم إلى المسجد الحرام، ووضعوا السيف / في الطائفين المحرمين في إحرامهم، إلى أن قتلوا في المسجد، وفي مكة ثلاثين ألف إنسان، وتلك مصيبة ما اصيب الإسلام [1]
بمثلها. وركض أبو طاهر خذله الله [2] ، بسيفه مشهورا في يده وهو سكران يصفر بفرسه عند البيت الشريف، فبال وراث، والحجاج يطوفون حول بيت الله الحرام والسيوف تنوشهم، إلى أن قتل في المطاف الشريف ألفا وسبعماية طائف محرم. ولم يقطع طوافه علي بن باويه [3] شيخ الصوفية وجعل يقول:
ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
والسيوف تقفوه إلى أن سقط ميتا، رحمه الله تعالى.
وملئت بأشلاء الشهداء بئر زمزم وآبار مكة، ونهبت القرامطة دور أهل مكة، إلى أن صار الباقي ممن نجا من تلك الوقعة فقراء يستعطون [4] . ولم يحج في هذا العام أحد ولا وقف بعرفة إلا قدر يسير. وسار أبو طاهر خذله الله [وهو] يقول [هذه الأبيات] [5] :
فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبّا
لأنّا حججنا حجة جاهلية ... محللة لم تبق شرقا ولا غربا
وأنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وقلع ذلك الفاجر قبة زمزم وباب الكعبة، وحمل معه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض يصافح به عباده. وبقي موضع الحجر الأسود من البيت
(1) في (ج) : (المسلمون) .
(2) في (ج) : (وركض) أبو طاهر بسيفه أخزاه الله).
(3) في (ج) : (علّي بن بادية) .
(4) في (ج) : (فقيرا يستعطي) .
(5) ما بين الحاصرتين من (ب) .