فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 546

وقد نقلنا آنفا من كلام الباقلانى فيمن سبقوه، ما ندرك معه كيف رأى أن موضوع إعجاز القرآن «قل أنصاره واشتغل عنه أعوانه وأسلمه أهله، فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره، فمن قائل قال إنه سحر وقائل يقول إنه شعر، وآخر يقول إنه أساطير الأولين، وقالوا: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) . إلى الوجوه التي حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه وتكلموا به، فصرفوه إليه» - 5 «1» وتجرد الباقلانى لتفصيل القول في مسألة الإعجاز وفاء بما قصر عنه سلفه، ليجيء في نظم القرآن، بما يكون مستفادا من كتابه خاصة، وموجّها ما وصل إليه جهده، إلى الخاصة «من أهل صناعة العربية الذين وقفوا على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرفوا جملة من طرق المتكلمين ونظروا في شيء من أصول الدين» 9 ... وظن الباقلانى أنه أغلق الباب وقال فيه الكلمة الأخيرة، فجاء «عبد القاهر الجرجاني» في القرن الخامس، وعرض السؤال في قضية الإعجاز كأن لم يعرض من قبل، وبدأ القول فيها كمن يرى الميدان خاليا ليس فيه دليل، بحيث احتاج إلى وضع كتابه (دلائل الإعجاز) «2» مقدمة لفهمه بإدراك أسرار العربية، فاستفرغ طاقته في عرض أساليبها ونحوها وملاحظها البلاغية، من حيث هي الهادية إلى دلائل الإعجاز.

ولم يبدأ في كتابه حتى نظر في كتب السلف فلم ير إلا شرّا وتخليطا وأنكر تصدى كثير منهم لتفسير القرآن وتأويله وقد أعوزتهم آلة فهمه وإدراك إعجازه، وقال فيما قال:

«ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة فلم يأخذوا أنفسهم

(1) الأرقام المذيلة بها النقول، تشير إلى الصفحات المنقول منها.

(2) نشرته مجلة المنار، وصحح أصله الشيخ محمد عبده والشيخ الشنقيطى، وعلق حواشيه السيد محمد رشيد رضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت