فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 546

عدل البيان القرآني فيما عما هو مألوف ومتبادر من تقديم الأولى على الآخرة.

وليس القصد إلى رعاية الفاصلة، هو وحده الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى. وإنما اقتضاه المعنى أولا، في سياق البشرى والوعيد، إذ الآخرة خير وأبقى، وعذابها أكبر وأشد وأخزى ...

وبهذا الملحظ البياني قدمت الآخرة على الأولى في سياق البشرى للمصطفى، عليه الصلاة والسلام، بآية الضحى:

وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى كما قدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون، بآية النازعات:

فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ..

... مقتضى الإعجاز أنه ما من فاصلة قرآنية لا يقتضى لفظها في سياقه، دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه، قد نتدبره فنهتدى إلى سرّه البياني وقد يغيب عنا فنقرّ بالقصور عن إدراكه.

ولا يظن بى أننى أهوّن من قيمة التآلف اللفظى والإيقاع الصوتى لهذا النسق الباهر الذي نجتلى فيه فنيّة البلاغة، تؤدى المعنى بأرهف لفظ وأروع تعبير وأجمل إيقاع.

فالبلاغة من حيث هي فن القول، لا تفصل بين جوهر المعنى وبين أسلوب أدائه، ولا تعتد بمعان جليلة تقصر الألفاظ عن التعبير البليغ عنها، كما لا تعتد بألفاظ جميلة تضيع المعنى أو تجور عليه ليسلم لها زخرف بديعى.

وهذا هو الحد الفاصل بين فنية البلاغة كما تجلوها الفواصل القرآنية بدلالتها المعنوية المرهفة ونسقها الفريد في إيقاعها الباهر، وبين ما تقدمه الصنعة البديعية من زخرف لفظى يكره الكلمات على أن تجئ في غير مواضعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت