و «ابن سنان الخفاجى» وإن قال بالصرفة وصرح بأنا «إذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته» قرر في مقدمة (سر الفصاحة) أنه «لا بد لمن يبحث في إعجاز القرآن من معرفة سر الفصاحة والبلاغة، سواء أقال بالصرفة أم بغيرها» «1» .
و «السكاكى» إمام البلاغيين المدرسيين، يقول في كتابه مفتاح العلوم: «اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت. ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطرة إلا بإتقان علمى المعاني والبيان والحذق فيهما» .
و «حمزة بن يحيى العلوى» يصنف كتابه الموسوم بالطراز في (أسرار البلاغة) ، يتلوها فصل في حقائق الإعجاز، يمهد له بأن «الكلام في بيان كون القرآن معجزا، خليق بإيراده في المباحث الكلامية والأسرار الإلهية لكونه مختصّا بها ومن أهم قواعدها، لما كان علامة دالة على النبوة وتصديقا لصاحب الشريعة، حيث اختاره الله تعالى بيانا لمعجزته وعلما دالّا على نبوته وبرهانا على صحة رسالته» .
ثم يؤكد صلة المباحث البلاغية بالإعجاز، من حيث «كانت وصلة وذريعة إلى بيان السر واللباب. والغرض المقصود عند ذوى الألباب، إنما هو بيان لطائف الإعجاز وإدراك دقائقه واستنهاض هممه» .
من هنا كان بدؤه بالمباحث البلاغية مدخلا إلى هذا الفصل في الإعجاز. وقد نقلنا في مدخلنا هنا، عجبه الذي لا ينقضى من حال علماء البيان وأهل البراعة فيه لما أغفلوا من هذا الشأن «2» .
وجرى المتأخرون على أن يجمعوا في الإعجاز كل ما قال السلف من وجوه.
كصنيع «الشيخ محمد عبده» في الفصل الذي كتبه في تفسيره عن الإعجاز فبدأ بإعجازه بأسلوبه ونظمه وبلاغته، وبتأثيره في القلوب والعقول. ثم ذكر إعجازه بأخبار الغيب فيه، وتعبيره عن المعاني بما يقبله المختلفون في فهمها مع موافقة
(1) سر الفصاحة: 4 - ط 1932.
(2) الطراز: 3/ 368.