وهذا أيضا مما نتزود به لطريقنا إلى فهم الإعجاز البياني، على ما سوف نوضحه في: «الترادف وسر الكلمة» .
وتجرد الخطابي لدفع شبهات من جادلوا في بلاغة عبارات قرآنية قالوا إنها جاءت على غير المسموع من فصيح كلام العرب. وفي ردّ الخطابي عليهم ملاحظ دقيقة، غير أنا نختلف معه، من حيث المبدأ، في قبول عرض العبارات القرآنية على ما نقل عصر التدوين من فصيح كلام العرب. والأصل أن يعرض هذا الذي نقلوه على القرآن، إذ هو قمة الفصحى والنص الموثق الذي لم يصل إلينا من أصيل العربية نص آخر صح له مثل ما صح للقرآن من توثيق يحميه من شوائب الرواية النقلية، وما لألفاظه من حرمة لا تجيز رواية بالمعنى، فضلا عما في الشواهد الشعرية من ضرورات لا مجال لمثلها في الشواهد القرآنية.
وتفرغ الخطابي في النصف الأخير من رسالته، لنقض ما سموه «معارضات للقرآن» من مدّعى النبوة، فبسط القول في معنى المعارضة وشروطها ورسومها، وضرب الأمثلة من معارضات امرئ القيس وعلقمة في وصف الفرس، وامرئ القيس والحارث بن التوأم اليشكرى في إجازة أبيات، كما ضرب أمثلة من تنازع الشاعرين معنى واحدا، كأبيات في وصف الليل لامرئ القيس والنابغة الذبياني، وفي وصف الخمر للأعشى والأخطل، وفي صفة الخيل لأبي دؤاد الإيادى والنابغة الجعدى. وقابل هذا كله على إسفاف مسيلمة الكذاب وسخف من تكلم في الفيل مبينا سقم كلامهم وعدم استيفائه شروط المعارضة ورسومها ...
ولهذا الفصل من رسالة الخطابي قيمته في المباحث البلاغية والنقدية المبكرة.
ونرى مع ذلك أن أبا سليمان كان في غنى عن الاشتغال بهذيان من ادّعوا النبوة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وجاءوا بسخافات هابطة سقيمة يعارضون بها القرآن فيما زعموا. وهي عندنا أهون من أن توضع في الميزان أو يشار إليها في مجال الاحتجاج لإعجاز القرآن من جهة البلاغة. ومجرد ذكرها في هذا المقام الجليل، ولو للكشف عن سقمها وإسفافها، يرفع شأنها ويعطيها من القيمة ما لا تستحق ...