وبلاغة القرآن هي موضوع «على بن عيسى الرماني» - من القرن الرابع أيضا - في رسالته (النكت في إعجاز القرآن) : مهد لها بسرد مذاهب القوم في وجوه سبعة للإعجاز، ثم تفرغ للنظر في إعجازه من جهة البلاغة.
والبلاغة عنده على ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا «فما كان أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن. وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس» 75 خلافا لما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي من أن بلاغة القرآن تحوز هذه البلاغات في طبقاتها الثلاث.
وليست البلاغة عند الرماني: «في إفهام المعنى، لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عييّ، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف. وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ: فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة» «1» 76 ثم كان منهجه في بيان إعجاز القرآن من جهة البلاغة، أن جعل البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
وعقد لكل باب منها فصلا يبدأ بتعريف الباب، ثم يقدم شواهد قرآنية منه، ففي باب الإيجاز مثلا، يبدأ فيعرفه بأنه «تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى. وهو على وجهين: إيجاز حذف، وإيجاز قصر. فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف» ثم يقدم من شواهد الحذف:
(1) تشير الأرقام في نهاية الفقرات المنقولة من رسالة الرماني، إلى مواضع صفحاتها من (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ذخائر.