في بلاء.
ولها خاصتان: الحلم، والكرم.
وهذه التي مبدؤها من الله وإليه تعود، لقوله تعالى: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وأما عودها فلقوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً والعقل وسط الكل لكيلا يقول أحدكم شيئا من الخير والشر إلا لقياس معقول"."
وفي الحديث"أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه"
وقد مر البحث عنه، ونذكر مزيد بحث وهو أن النفس الإنسانية- على ما حققه بعض المتبحرين- واقعة بين القوة الشهوانية والقوة العاقلة فبالأولى يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة الفانية، وبالأخرى يحرص على تناول العلوم الحقيقية والخصال الحميدة المؤدية إلى السعادة الباقية أبد الآبدين، وإلى هاتين القوتين أشار تعالى بقوله وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وقوله تعالى إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا فإن جعلت أيها الإنسان الشهوة منقادة للعقل فقد فزت فوزا عظيما واهتديت صراطا مستقيما، وإن سلطت الشهوة على العقل وجعلته منقادا لها ساعيا في استنباط الحيل المؤدية إلى مراداتها هلكت يقينا وخسرت خسرانا مبينا.
واعلم أن النفس إذا تابعت القوة الشهوية سميت"بهيمية"، وإذا تابعت الغضبية سميت"سبعية"، وإن جعلت رذائل الأخلاق لها ملكة سميت"شيطانية"وسمى الله تعالى هذه الجملة في التنزيل"نفسا أمارة بالسوء"إن كانت رذائلها ثابتة، وإن لم تكن ثابتة بل تكون مائلة إلى الشر تارة وإلى الخير أخرى وتندم على الشر وتلوم عليه سماها"لوامة"، وإن كانت منقادة للعقل العملي سماها"مطمئنة"، والمعين على هذه المتابعات قطع العلائق البدنية كما قال بعضهم:
إذا شئت أن تحيا فمت عن علائق ... من الحس خمس ثم عن مدركاتها