فهرس الكتاب
فمن سنية الابتلاء أن الله ابتلى أفضل خلقه وهم رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهم أفضل الدعاة إلى توحيده سبحانه ، فابتلاهم بالمرسل إليهم حين يدعونهم إلى الحق والصبر على أذاهم ، وتحمل المشاق في تبليغ رسالات ربهم إغاثة اللهفان 2 / 161 . . فهذا محمد - صلى الله عليه وسلم - بين الله عز وجل في هذه السورة أنه ابتلي بقوم جحدوا آيات الله مع علمهم بها ، قال تعالى عنهم: سورة العنكبوت الآية 50 وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ كما اتهم بالسحر والتعلم من الكهنة ، حتى أخرج هذا الكتاب ، فالله عز وجل نفى عنه هذه التهمة بقوله سبحانه: سورة العنكبوت الآية 48 وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ . والواقف على سيرته - صلى الله عليه وسلم - يرى ما حصل له من فتنة وبلاء أشد من هذا ، كالحصار في الشعب ، ووفاة عمه أبي طالب ، وزوجه خديجة وغير ذلك ، ولكنه كان صابرا محتسبا ، كما ابتلي نبي الله نوح بكفر قومه واستهزائهم به مع طول لبثه فيهم ، قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 14 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي: ابتلي النبيون قبلك بالكفار فصبروا انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13 / 332 ، وانظر زاد السير لابن الجوزي 6 / 261 . ، كما ابتلي نوح بابنه وفلذة كبده ، حيث كان ممن أعرض عن دعوته ، كما هو مذكور في سورة هود . كما ابتلي بزوجته حيث خانته ، كما في سورة التحريم ، وكذلك ابتلي نبي الله إبراهيم عليه السلام بقومه الذين لم يقبلوا دعوته ، وحاولوا الانتقام منه ولكن الله أنجاه فقال تعالى: سورة العنكبوت الآية 24 فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . ومما ابتلي به كذلك إعراض أبيه عن الاستجابة لدعوة التوحيد
ونبي الله لوط ابتلي بقوم لا يعبأون بأمر الله مستهزئون به وبدعوته ، حيث أتوا أمرا عظيما لم يسبقهم إليه أحد ، قال تعالى عنهم: سورة العنكبوت الآية 29 أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .
ومما نزل عليه من البلاء أنه كان يخاف على ضيوفه من أذى قومه وشرهم قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 33 وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ، فمن عظيم ما مر عليه من البلاء أن زوجته وأقرب الناس إليه لم تستجب لنداء الله .
كما ابتلى الله شعيبا حيث لم يستجب له قومه قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 36 وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ سورة العنكبوت الآية 37 فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ .
كما ابتلي نبي الله موسى بأنواع البلايا ، منها: تجرؤ فرعون وقارون وهامان وتسلطهم على عباد الله ، حتى وصل الحد بفرعون إلى أن ادعى الربوبية ، قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 39 وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ .
وكما حصل للرسل من بلاء ومحنة امتحن الله المرسل إليهم بهم ، هل يطيعونهم وينصرونهم ويصدقونهم ؟ أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم ؟ فأقوام الرسل الذين لم يستجيبوا لدعوتهم أصيبوا بأعظم بلية وأعظم فتنة وهي الكفر الذي تدوم محنته ، وقد قال سبحانه: سورة العنكبوت الآية 4 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ .