فهرس الكتاب

الصفحة 1054 من 1236

قال ابن كثير رحمه الله: ( أي لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان ، فإن وراءهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأعظم ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 3 / 645 . . وكما ابتلي الأنبياء وأقوامهم الذين لم يستجيبوا لهم كذلك ابتلي أتباع الأنبياء ، فقد ورد عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال: صحيح البخاري الإكراه (6544) ,سنن أبو داود الجهاد (2649) ,مسند أحمد بن حنبل (6/395) . قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . كما أن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاقوا من الابتلاء والمحن ما الله به عليم ، حتى أن أول سورة العنكبوت نزل بهم ، وهو قوله تعالى:سورة العنكبوت الآية 1 الم سورة العنكبوت الآية 2 أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام ، كسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وعمار بن ياسر ، وأبيه وسمية أمه ، وعدة من بني مخزوم وغيرهم الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 13 / 323 . . كما فتن بعض الصحابة بأحبابه وذويه ، مثل سعد بن أبي وقاص حيث نزل بسببه قوله سبحانه: سورة العنكبوت الآية 8 وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فعن مصعب بن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه ، ولا تأكل ولا تشرب ، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك ، وأنا أمك ، وأنا آمرك بهذا ، قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد ، فقام ابن لها يقال له عمارة ، فسقاها فجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: سورة لقمان الآية 15 وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وفيها: سورة لقمان الآية 15 وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا الحديث . قال الواحدي: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وذاك أنه لما أسلم قالت له أمه حمنة: يا سعد بلغني أنك صبوت ، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح الضح: الشمس وقيل ضوؤها وقيل ضوؤها إذا استمكن من الأرض) لسان العرب 2 / 524 . والريح ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد ، وترجع إلى ما كنت عليه ، فأبى سعد ، وصبرت هي ثلاثة أيام ولم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل حتى غشي عليها ، فأتى سعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وشكا ذلك إليه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي في سورتي لقمان والأحقاف أسباب النزول للواحدي: 394 . .

وقد ابتلي صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما حصل لهم من فراق الأهل والوطن والمال ، حينما أمروا بالهجرة . قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 56 يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ . ومن سنة الابتلاء والفتنة استمراره في هذه الدنيا ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ، ففي سورة العنكبوت دلالة واضحة على استمراره إلى يوم المعاد . قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 1 الم سورة العنكبوت الآية 2 أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ سورة العنكبوت الآية 3 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ . قال ابن عطية وهذه الآية نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - موجود حكمها بقية الدهر ، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك ، وإذا اعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن أحكام القرآن للقرطبي: 13 / 324 . . وقوله تعالى: سورة العنكبوت الآية 10 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت