فهرس الكتاب

الصفحة 1055 من 1236

فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 15 / 364 ، 16 / 148 ، الإتقان في علوم القرآن 1 / 85 . . ومما يدل على استمرار الابتلاء من الله للناس أمره لهم بأن يتعظوا بما حصل لمن قبلهم كما في قوله تعالى عن سفينة نوح: سورة العنكبوت الآية 15 فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ، وقوله تعالى في قصة إبراهيم: سورة العنكبوت الآية 24 فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، كذلك قوله تعالى في قصة لوط: سورة العنكبوت الآية 35 وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

وكذلك قوله تعالى: سورة العنكبوت الآية 43 وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ . ففي هذه الآيات إشارة إلى استمرار البلاء والفتنة ، وأن الإنسان لا بد أن يبتلى ويمتحن ، فإن كان من العارفين بالله وصبر وثبت على إيمانه فإنه سيحصل له من الفوز والفلاح ما حصل للمؤمنين قبله ، الذين قص الله علينا قصصهم ، وإن أعرض ولم يتعظ ولم يعتبر كما أمر فنهايته للهلاك والفتنة العظيمة التي لا فتنة بعدها ، وهي عذاب الله كما قال تعالى: سورة الذاريات الآية 13 يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ سورة الذاريات الآية 14 ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ .

وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على فتن عامة تكون في آخر الزمان في أحاديث كثيرة ؛ لذلك بوب غالب العلماء في كتبهم بابا خاصا بها سموه (أبواب الفتن) وذلك كالبخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وغيرهم ، ساقوا فيها ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما يقع من الفتن . والإنسان يشاهد الفتن دائما لا تنقطع عنه ، ولكنها تختلف حسب شدتها وضعفها فمثلا الأمراض والمجاعات والجوائح وفقد الأحبة حتى الشوكة يشاكها المسلم ، فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: صحيح البخاري المرضى (5324) ,صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2571) ,مسند أحمد بن حنبل (1/441) ,سنن الدارمي الرقاق (2771) . ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها .

كل ما اتصل بالإنسان من أهله وولده ووالديه وأصحابه وعشيرته ومن يتعامل معهم كل هؤلاء ، فهل يقوم بواجبه نحوهم من جلب خير أو دفع شر ؟ وهل يكف يده عن حقهم وبصره عما متعوا به ويسأل الله من فضله ، انظر: إغاثة اللهفان: 2 / 160 . ويكف لسانه عن غيبتهم وبهتهم ؟ فقد ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سنن الترمذي المناقب (3774) ,سنن النسائي الجمعة (1413) ,سنن أبو داود الصلاة (1109) . خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل الحسن والحسين - رضي الله عنهما - عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله سورة التغابن الآية 15 إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في الخطبة . وقد ورد عن حذيفة قال: ( كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت: أنا كما قاله ، قال: إنك عليه أو عليها لجريء ، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي ، قال: ليس هذا أريد ، ولكن الفتنة التي تموج كموج البحر ، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا ، قال: أيكسر أم يفتح ؟ قال: يكسر ، قال: إذا لا يغلق أبدا ، قلنا:أكان عمر يعلم الباب ؟ قال: نعم ، كما أن دون الغد الليلة ، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط . فهبنا أن نسأل حذيفة ، فأمرنا مسروق فسأله فقال: الباب عمر ) . ففي هذا الحديث عمر لم ينكر على حذيفة وقوع الفتن الصغيرة ، وحذيفة أجابه إلى سؤاله بالنسبة للفتن الكبيرة .

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ( لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ؛ لأن الله تعالى يقول: سورة الأنفال الآية 28 وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت