فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 1236

والله عز وجل يقول: سورة الفرقان الآية 20 وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا . وهذا عام في جميع الخلق امتحن بعضهم ببعض ، كما تقدم امتحان الرسل بأقوامهم وبالعكس ، كما امتحن العلماء بالجهال ، هل يعلمونهم وينصحونهم ويصبرون على ذلك ، وبالعكس هل يطيع الجهال العلماء ويهتدون بهم ؟ وامتحن الملوك بالرعية وبالعكس ، كما امتحن الفقراء بالأغنياء وبالعكس ، وكما امتحن الأقوياء بالضعفاء ، والسادة بالأتباع ، والمالك بمملوكه ، والرجل بامرأته ، والرجال بالنساء ، والمؤمنين بالكفار ، والآمرون بالمعروف بمن يأمرونهم وعلى العكس من هؤلاء جميعا فإنهم فتنوا بأضدادهم إغاثة اللهفان: 2 / 161 . فمن صبر على الفتنة كانت رحمة في حقه ، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ، وإن لم يصبر وقع في فتنة أشد منها إغاثة اللهفان: 2 / 162 . .

المبحث الثاني

الحكمة من الفتنة والابتلاء

وما دام أن الله سبحانه جعل الابتلاء سنة في هذا الكون على جميع الخلق برهم وفاجرهم ، فأفعاله كلها حكمة ، فلا تكون إلا عن علم وحكمة ، منها ما نعرفه ومنها ما تقصر عقولنا وأفعالنا وأفهامنا عنه ، وحسبنا أن نقول: سورة البقرة الآية 285 آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . والابتلاء والفتن من أفعال الله عز وجل وتقديراته التي كلها حكمة ورحمة بخلاف ما إذا كانت من العبد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليست البلايا والمصائب تأتي من طاعة الله ورسوله ، كما يظن بعض الجهال ، فإن هذه جزاء أصحابها خير الدنيا والآخرة . ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم لا بما أطاعوا فيه الله ورسوله ، كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم لا بسبب طاعتهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ما ابتلوا به من السراء والضراء والزلزال ، ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم ، لكن امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر ، وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار ليتميز خبيثه من طيبه ، والنفوس فيها شر ، والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه انظر الحسنة والسيئة لابن تيمية ص 44 . ؛ لذلك كان من حكمة الابتلاء التمحيص ، وهو كما قال الراغب: أصل المحص تخليص الشيء مما فيه عيب ، قال تعالى: سورة آل عمران الآية 141 وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ، وقال سبحانه: سورة آل عمران الآية 154 ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .

فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير ونحو ذلك من الألفاظ ، ويقال في الدعاء: اللهم محص عنا ذنوبنا ، أي: أنزل ما علق بنا من الذنوب المفردات للراغب: 464 . . فالمؤمن يمحص حتى يصدق ويبتلى ويختبر حتى يخلص بالبلاء الذي نزل به وكيف صبره ويقينه جامع البيان عن تأويل القرآن: 4 / 107 . . والله يمحص المؤمنين بما يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب ، وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به انظر تفسير القرآن العظيم: 1 / 612 . . فهو تنقية لهم من الذنوب وآفات النفوس ، كما أنه تخليص لهم من المنافقين ، وتمييزهم عنهم ، فيحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم وتمحيص ممن كان يظهر أنه من المسلمين زاد المعاد 3 / 223 . . وهذا ما سأوضحه في حكمة (التمييز بين المؤمنين والكفار) فالتمحيص للمؤمنين يكون:

1 -بتكفير السيئات .

2 -أو برفعة الدرجات .

3 -أو بالتعويض من الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت