فهرس الكتاب
أولا: تكفير السيئات: قد أخبر الله سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو إغاثة اللهفان: 2 / 191 . . وقد بين الله سبحانه وتعالى تكفيره لسيئات المؤمنين في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى: سورة العنكبوت الآية 7 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ . وقد بين الله سبحانه أن لا بد للمؤمن من الابتلاء كما تقدم .
قال ابن القيم: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له ، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته ، أو أنقصت ثوابه وأنزلت درجته ، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة ، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه إغاثة اللهفان 2 / 88 . . كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صحيح مسلم الزهد والرقائق (2999) ,مسند أحمد بن حنبل (6/16) ,سنن الدارمي الرقاق (2777) . عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له . فهذا الخير العظيم ليس إلا للمؤمن ؛ لأنه هو الذي يشكر ويصبر فبذلك تكفر سيئاته كما بين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة منها: ما روته عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح البخاري المرضى (5317) ,صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2572) ,سنن الترمذي الجنائز (965) ,موطأ مالك الجامع (1751) . ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صحيح البخاري المرضى (5318) ,صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2573) ,سنن الترمذي الجنائز (966) ,مسند أحمد بن حنبل (2/303) . ما يصيب المسلم من نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عن خطاياه . وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء ؟ قال: سنن الترمذي الزهد (2398) ,سنن ابن ماجه الفتن (4023) ,مسند أحمد بن حنبل (1/172) ,سنن الدارمي الرقاق (2783) . الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة .
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن المصائب والفتن التي تصيب المؤمن أنها من الله ، حيث لا يقع في الكون كائن بغير مشيئته الحكمية ،ومن ذلك أن الله أعد للمؤمن فيها خيرا عظيما ، سواء بتكفير السيئات أو برفعة الدرجات إن صبر واحتسب ، وإلا فيكون فتنة لغيره لذلك أورد بعض العلماء مسائل على هذه الأحاديث وأمثالها:
أولا: هل التكفير للصغائر أم للصغائر والكبائر ؟
ثانيا: هل المصائب تكفر الخطايا فقط أم أنها تكفر الخطايا وترفع الدرجات ؟
ثالثا: هل تكفير الخطايا أو رفع الدرجات يحصل بمجرد المصيبة أم لا بد من الصبر عليها ؟
المسألة الأولى: هل التكفير خاص بالصغائر أم للصغائر والكبائر ؟ قال ابن حجر عند إيراده لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: صحيح البخاري المرضى (5321) ,مسند أحمد بن حنبل (2/237) ,موطأ مالك الجامع (1752) . من يرد الله به خيرا يصب منه وما قبله من الأحاديث السابقة: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن ؛ لأن الآدمي لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر ، وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له ، وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث ابن مسعود: صحيح البخاري المرضى (5323) ,صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2571) ,مسند أحمد بن حنبل (1/441) ,سنن الدارمي الرقاق (2771) . ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه ، وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر ، للحديث . . صحيح مسلم الطهارة (233) ,سنن الترمذي الصلاة (214) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1086) ,مسند أحمد بن حنبل (2/400) . الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر . فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ، ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة البلاء وخفته فتح الباري: 10 / 108 . .
والذي يظهر أن المصائب مكفرات للصغائر والكبائر لعموم الأحاديث المتقدمة ، وأما هذا الحديث فهو خاص بالأعمال المذكورة ولا وجه لدخول عموم التكفير بالنسبة للمصائب بهذا إلا بدليل ؛ لذلك قال بعض العلماء إن المصائب مع تكفيرها السيئات ترفع الدرجات .