فهرس الكتاب
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن المجاهد في الله يهديه الله سبله ومعلوم أن المجاهد لله لا بد أن يترك كثيرا من الملذات والشهوات ويقبل على الله فعوضه الله أن هداه سبيله وكان معه خاصة ، قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 69 وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . وقد عزى الله المؤمنين حين اختاروا الألم المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: سورة العنكبوت الآية 5 مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فضرب لمدة هذا الألم لا بد أن يأتي وهو يوم لقائه ، فيلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمل من الألم من أجله وفي مرضاته ، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله ولله ، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه ؛ ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل ، كما عزاهم تعالى بعزاء آخر وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم ، وثمرته عائدة عليهم ، وأنه غني عن العالمين . . ، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين زاد المعاد: 3 / 16 . كما قال سبحانه: سورة العنكبوت الآية 9 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ .
ثالثا: هل التكفير حاصل بمجرد المصيبة أم لا بد من الصبر ؟
الناس بالنسبة لأقدار الله أربعة أقسام:
الأول: من يرضى عن ربه فيها لمزيد من حبه والشوق إليه ، وهذا نشأ من مشاهدتهم للطف الله فيهم ، وبره وإحسانه العاجل والآجل .
الثاني: من يشكر الله عز وجل على المصائب كما يشكر على النعم . وهذا فوق الرضا ، إلا أنه غالبا ما يكون على النعم ، فهو في فتنة السراء أظهر .
الثالث: من يصبر على أقدار الله ، وهم المقصودون ، ولا يتحقق الرضا والشكر إلا بالصبر .
الرابع: الجزع والتسخط والتشكي ، واستبطاء الفرج ، واليأس من الروح ، والجزع الذي يفوت الأجر انظر طريق الهجرتين: 218 . .
وعلى هذا التقسيم فلا بد للمصاب أن يكون من الصابرين فما فوق ، أم من الساخطين ، وقد ذكر ابن حجر أن الأجر حاصل بمجرد المصيبة ، فقال عند سياقه للحديث الأول - حديث عائشة السابق ذكره: (وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام تقدمت ترجمته في ص: 286 . حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور إنما هو على الكسب ، وهو خطأ صريح ؛ فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب ، والمصائب ليست منها ، بل الأجر على الصبر والرضا) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1 / 127 . .
ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة ، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة ، قال القرافي: المصائب كفارات جزما ، سواء اقترن بها الرضا أم لا ، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل ، كذا قال: والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها ، وبالرضا يؤجر على ذلك ، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه فتح الباري: 10 / 105 ، وانظر 109 . ا . هـ .
والذي يظهر لي بعد هذا النقل أن الأجر لا يحصل إلا مع الصبر ، لا بد للإنسان أن يصبر أو يسخط ، ولا أعرف مرتبة بينهما ، إلا أن الصبر إما أن يكون لله ومع الله فإنه يؤجر على ذلك ؛ للآيات والأحاديث التي تحث على الصبر وتأمر به ، وإما أن يكون لغير ذلك من غاياته في الدنيا ، أو يجبر على الصبر كصبر البهائهم ، ويسلي نفسه كصبر الكفار ، فإن هذا لا أجر له .
قال ابن القيم بعد أن تكلم على الصبر فقال: المراتب أربعة:
أحدها: مرتبة الكمال ، وهي مرتبة أولي العزائم ، وهي الصبر لله وبالله ، فيكون في صبره مبتغيا وجه الله ، صابرا به ، متبرئا من حوله وقوته ، فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها .
الثانية: أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا ، فهو أخس المراتب ، وأردأ الخلق ، وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان .
الثالثة: مرتبة من فيه صبر بالله ، وهو مستعين متوكل على حوله وقوته ، متبرئ من حوله هو وقوته ، ولكن صبره ليس لله ؛ إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه ، فهذا ينال مطلوبه ويظفر به ، ولكن لا عاقبة له ، وربما كانت عاقبته شر العواقب .
الرابعة: من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به ، والتوكل عليه ، والثقة به والاعتماد عليه ، فهذا له عاقبة حميدة ، ولكنه ضعيف عاجز مدار السالكين 2 / 177 . .