فهرس الكتاب
وإن حصل مع الصبر على المصائب رضى وشكر فإنه أعظم للأجر ، فالرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته ، مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره ، مستحب وهو من مقامات أهل الإيمان ، بخلاف الرضى بالقدر الجاري عليه باختياره ، مما يكرهه الله ويسخطه وينهي عنه ، كالظلم والفسوق والعصيان ، فإن هذا حرام يعاقب عليه ، وهو مخالفة لله تعالى انظر مدارج السالكين: 2 / 202 . . وكذلك الشكر ؛ حيث إن الله أمر به وأثنى على أهله ونهى عن ضده ، من ذلك قوله تعالى عن إبراهيم في دعوة قومه: سورة العنكبوت الآية 17 إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وقال سبحانه: سورة سبأ الآية 13 يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . إلا أن الغالب في الشكر أن يكون على السراء وهي من الفتن العامة التي ينبغي للمسلم أن يشكر الله عليها ، وليست من المصائب النازلة المقصودة في هذا الموضوع .
فتبين أنه لا أجر بدون الصبر فما فوقه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( المصائب التي تجري بلا اختيار العبد ، كالمرض وموت العزيز عليه ، وأخذ ماله ، فإن تلك إنما يثاب على الصبر عليها ، لا على نفس ما يحدث من المصيبة وما يتولد عنها ) أمراض القلوب وشفاؤها: 21 . . وأما إن حصل ضد الصبر وهو الجزع والتسخط والتشكي ، فإن هذا لا يؤجر ، بل قد يحصل له الإثم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: سنن الترمذي الزهد (2396) . إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صحيح مسلم الإيمان (104) ,سنن النسائي الجنائز (1867) ,سنن أبو داود الجنائز (3130) ,سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1586) ,مسند أحمد بن حنبل (4/397) . برئ من الصالقة والحالقة والشاقة
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: صحيح البخاري الجنائز (1235) ,صحيح مسلم الإيمان (103) ,سنن الترمذي الجنائز (999) ,سنن النسائي الجنائز (1860,1862,1864) ,سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1584) ,مسند أحمد بن حنبل (1/386,1/432,1/442,1/456,1/465) . ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية .
ومن حكم الابتلاء التمييز بين المؤمنين والكفار كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند التمحيص . فالتمييز: من مزت الشيء أميزه ميزا: عزلته وفرزته ، وكذلك ميزته تمييزا فانماز ، وامتاز ، وتميز ، واستماز كله بمعنى ، يقال: امتاز القوم إذا تميز بعضهم من بعض ، وفلان يكاد يتميز من الغيظ أي ينقطع الصحاح للجوهري: 3 / 897 . . هذا معنى التمييز في اللغة ، فالمراد هنا تمييز المؤمن من الكافر ، وقد ثبت ذلك في قوله تعالى: سورة العنكبوت الآية 3 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ . قال الطبري - رحمه الله تعالى -: سورة العنكبوت الآية 3 فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا منهم ، في قولهم: آمنا ، سورة العنكبوت الآية 3 وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ منهم في قولهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم قبل الاختبار ، وفي حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك:
وليظهرن الله الصادق منهم في قوله: آمنا بالله ، من كذب الكاذب منهم ، بابتلائه إياه ؛ ليعلم صدقه من كذبه أولياؤه جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 20 / 129 . .
والله عز وجل بين في كتابه عن تمام حكمته ، وأن حكمته لا تقضي أن كل من قال: أنه مؤمن ، وادعى لنفسه الإيمان ؛ أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن ، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه ، فإنهم لو كان الأمر كذلك لم يتميز الصادق من الكاذب ، والمحق من المبطل ، ولكن سنته تعالى في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغني والفقر ، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ، ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة ، والشهوات المعارضة للإرادة .