فمن كان عند ورد الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل ، ويدفعها بما معه من الحق ، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب ، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله ، يعمل بمقتضى الإيمان ، ويجاهد شهوته دل ذلك على صدق إيمانه وصحته ، ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا ، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات ، دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه تيسير الكريم الرحمن: 6 / 66 . . فعلى هذا يكون الابتلاء تخليص الخير من الشر وتمييزه سواء في الدنيا الآخرة ، كما قال تعالى: سورة الأنفال الآية 37 لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: صلى الله عليه وسلم -: صحيح مسلم الإيمان (144) ,مسند أحمد بن حنبل (5/405) . تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربادا المرباد: هو شدة البياض في سواد (أو شبه البياض) والكوز مجخيا أي منكوسا: صحيح مسلم: 1 / 130 . كالكوز مجخيا ، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه . وعلى هذا فهل يمكن تمييز الخبيث من الطيب بدون ابتلاء ؟ إنه لا بد للتمييز من ابتلاء ، فما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه ، وأذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لا بد منه ، وهو كالحر الشديد والبرد الشديد ، والأمراض والهموم والغموم ، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار ، حتى الأطفال والبهائم ، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين ، فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر والنفع من الضر واللذة عن الألم لكان عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة إغاثة اللهفان: 2 / 189 . .
إذا لا بد من الابتلاء ، فلو كان المؤمنون دائما منصورين قاهرين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول ، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة ، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه انظر: إغاثة اللهفان: 2 / 190 . . وقد مرت حوادث على الأمة الإسلامية تميز فيها الصادق من المنافق ، ومن أبرزها ما حصل في غزوة أحد حين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى أحد ، قال ابن إسحاق حتى إذا كانوا بالشوط اسم حائط يعني بستانا في المدينة بينها وبين أحد . معجم البلدان: 3 / 372 . بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي سلول بثلث الناس وقال: (أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل هاهنا أيها الناس) ، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 68 وانظر المغازي للواقدي: 1 / 219 . ، وقد ذكر ابن القيم من الحكم في غزوة أحد فقال: (ومنها أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب ، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطالهم الصيب ، ودخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا ، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق ، فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه ، وظهرت مخبأتهم وعاد تلويحهم تصريحا ، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا) زاد المعاد: 3 / 219 . ، وكما في قصة الأقرع والأعمى والأبرص ، التي ميز الله فيها بين الغني الشاكر والكافر ، وقد ميز الله بين المؤمنين والمنافقين وقد بين سبحانه أن المنافقين لا يتحملون أي أذى يصيبهم في ادعائهم الإيمان ، فهم لا يصبرون ويعدون أي أذى كأنه هو عذاب الله ، الذي بين سبحانه أنه شديد . قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 10 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ .
الناس في الابتلاء ينقسمون إلى قسمين: