القسم الأول: إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن ، فإن رده ذلك الابتلاء والامتحان إلى ربه ، وجمعه عليه وطرحه ببابه ، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به ، فمن حكمة الابتلاء بالنسبة للمؤمنين: تكميل العبودية لله في السراء والضراء ، وفي حال العافية والبلاء ، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم ، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية ، بمقتضى تلك الحال ، لا تحصل إلا بها ، ولا يستقيم القلب بدونها ، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب وأضدادها ، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني ، والاستقامة المطلوبة منه ، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع إغاثة اللهفان: 2 / 190 . . ومن العبودية أن يشكو العبد إلى ربه ويتضرع إليه ويدعوه ، فالله يحب ذلك من العبد ، (فهو سبحانه يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها ، ويعلم خائنة أعينهم وما تخفي صدورهم ، فيثيب كل عبد على قصده ونيته ، وقد ذم الله تعالى من لم يتضرع إليه ، ولم يستكن له وقت البلاء) تسلية أهل المصائب: 217- 218 . . كما قال تعالى: سورة المؤمنون الآية 76 وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ . فالله عز وجل يذيق عبده ألم الحجاب عنه والبعد ، وزوال ذلك الأنس والقرب ليمتحن عبده ، فإن أقام على الرضى بهذه الحال ، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأولى مع الله ، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره ، علم أنه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به .
وإن استغاث به استغاثة الملهوف ، وتعلق تعلق المكروب ، ودعاء دعاء المضطر ، وعلم أنه قد فاتته حياته حقا ، فهو يهتف بربه أن يرد عليه حياته ، ويعيد عليه ما لا حياة له بدونه ، علم أنه موضع لما هو أهل له ، فرد أحوج ما هو إليه ، فعظمت به فرحته ، وكملت به لذته ، وتمت
به نعمته ، واتصل به سروره ، وعلم حينئذ مقداره ، فعض عليه بالنواجذ ، وثنى عليه الخناصر ، وكان حاله كحال ذلك الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذ وجدها بعد معاينة الهلاك مفتاح دار السعادة: 1 / 296 . .
فما أعظم موقع ذلك الوجدان عنده ، ولله أسرار وحكم ومنبهات وتعريفات لا تنالها عقول البشر
القسم الثاني: إذا ابتلي الإنسان ولم يرده ذلك البلاء إلى الله ، بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق ، وأنساه ذكر ربه ، والضراعة إليه ، والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه ، فهو علامة شقاوته ، وإرادة الشر به ، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته ، وسلطان شهوته ، ومرحه وفرحه ، فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع من الشر والبطر ، والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء ، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء ، فبلية هذا وبال عليه ، وعقوبة ونقص في حقه طريق الهجرتين ، 964 . . ويرد على هذا:
مسألة: هل المصائب في الدنيا للمؤمنين فقط ؟
وأقول: إنها ليست خاصة بالمؤمنين ، فما يرى فيه الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه ، فهو دون ما يحصل للمؤمنين بكثير ، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان ، وإن كان في الظاهر بخلافه . قال الحسن البصري رحمه الله: ( أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليح ، ووطئت الرجال أعقابهم ، إن ذل المعصية لفي قلوبهم ، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله ) حلية الأولياء: 2 / 149 . . وقد يشكل على بعض الناس حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو: صحيح مسلم الزهد والرقائق (2956) ,سنن الترمذي الزهد (2324) ,سنن ابن ماجه الزهد (4113) ,مسند أحمد بن حنبل (2/389) . الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . ولكن يزول هذا الإشكال إذا علم أن المؤمن على ما هو فيه بالدنيا من العزة والنصر بالنسبة إلى ما يلاقيه عند الله في الجنة من النعيم المقيم كأنه كان في سجن ، أما الكافر لما هو فيه في هذه الدنيا على أي حال بالنسبة لما أعده الله له من الجحيم والنكال العظيم فكأنه في جنة انظر النووي على مسلم: 18 / 93 . .
المبحث الثالث:
هل للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه ؟