تقدم في حكمة الابتلاء والفتن أن فيها أجرا عظيما وتكفيرا للسيئات ، فهل للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه ؛ طلبا لهذا الفضل العظيم ، أو يترك ما أوجبه الله عليه خوفا من الفتنة ؟ وهذا يرجع إلى الحكمة في الأمور والعمل لكل وقت بما يناسبه ، فالمتتبع لسيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل المؤمنين إيمانا وأقوى توكلا وأعظم داعية يرى أنه لا يستدعي البلاء على نفسه ، ولا يترك ما أوجبه الله عليه ، وإنما جمع بين التوكل والعمل بالأسباب ، فقام بالدعوة إلى الله خير قيام ، حسب مقتضى الظروف والأحوال المقرونة بحكمة الله وأمره وشرعه ، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل بعد رجوعه من الطائف بجوار المطعم بن عدي ليجيره من أذى قريش ، حتى يبلغ رسالة ربه انظر السيرة النبوية لابن هشام 2 / 20 . ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى القبائل أيام الموسم ويدعوهم إلى الإسلام ويقول: سنن الترمذي فضائل القرآن (2925) ,سنن أبو داود السنة (4734) ,سنن ابن ماجه المقدمة (201) ,سنن الدارمي فضائل القرآن (3354) . ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي . كذلك هجرته - صلى الله عليه وسلم - وهجرة أصحابه الأولى إلى الحبشة ، والثانية إلى المدينة ، تدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز للمسلم أن يستدعي البلاء على نفسه ، حيث لم يستمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة القوم كما أنه كان يحمي نفسه من الأعداء في المعارك ، وينهى الصحابة من تعرضهم للبلاء ، وإيجابهم على أنفسهم ما لم يوجبه الله عليهم ، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: سنن الترمذي الفتن (2254) ,سنن ابن ماجه الفتن (4016) ,مسند أحمد بن حنبل (5/405) . لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه ، قالوا: وكيف يذل نفسه قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق . وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن سمرة: صحيح البخاري الأحكام (6727) ,صحيح مسلم الإمارة (1652) ,سنن الترمذي النذور والأيمان (1529) ,سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2929) ,مسند أحمد بن حنبل (5/62) ,سنن الدارمي النذور والأيمان (2346) . يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير . ويقول - صلى الله عليه وسلم - عن الطاعون: صحيح البخاري الطب (5396) ,صحيح مسلم السلام (2218) ,سنن الترمذي الجنائز (1065) ,مسند أحمد بن حنبل (5/206) ,موطأ مالك الجامع (1656) . إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وقوله - صلى الله عليه وسلم -: صحيح البخاري الجهاد والسير (2804) ,صحيح مسلم الجهاد والسير (1742) ,سنن أبو داود الجهاد (2631) . لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . وتعوذ - صلى الله عليه وسلم - من فتنة الغنى والفقر والدنيا والنار ، وغير ذلك ، قال العلماء: أراد - صلى الله عليه وسلم - مشروعية ذلك لأمته فتح الباري: 13 / 44 مسند أحمد: 1 / 182- 194 ، 5 / 201 ، 208 . . يقول ابن تيمية بعدما ساق هذه الأحاديث: ( وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء ، ويحرم عليه أشياء ، فيبخل بالوفاء ، كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور ، وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود ، ويقتضي أن الإنسان إذا ابتلي فعليه أن يصبر ويثبت ، ولا ينكل حتى يكون من الرجال الموقنين القائمين بالواجبات ، ولا بد في جميع ذلك من الصبر ) التحفة العراقية في أعمال القلوب لابن تيمية ص 46 ، وانظر الزهد والورع والعبادة له ص 18 . . ا . هـ .