وهذا لا يسقط الواجب على المسلم ، بل عليه أن يؤدي ما أوجبه الله عليه حسب استطاعته ، فإن ابتلي صبر واحتسب ، ولذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: صحيح مسلم الإيمان (49) ,سنن الترمذي الفتن (2172) ,سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5009) ,سنن أبو داود الصلاة (1140) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1275) ,مسند أحمد بن حنبل (3/54) . من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . فإذا تعين على المسلم واجب فعليه أن يسلك السبل التي تعينه على الواجب ، ولا يلقي بنفسه في التهلكة ، ولا يترك الواجب لشيء دونه فيكون كمن قال الله تعالى فيه: سورة التوبة الآية 49 وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ، وقوله تعالى: سورة العنكبوت الآية 3 وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ . فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب ، ومؤمن ومنافق ، وطيب وخبيث ، فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه ، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها ؛ لأنه وقع بالمعصية وفر من الواجب إلى ما يميل له طبعه وهواه ، كما قال
تعالى: سورة التوبة الآية 49 وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ . يقول الجد بن قيس لما ندبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعريضي لبنات بني الأصفر ، فإني لا أصبر عنهن ، فالذين استأذنوا لهذا السبب وقعوا في فتنة النفاق ، وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر ، فالفتنة التي فر منها - بزعمه - هي فتنة محبة النساء وعدم صبره عنهن ، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا ، والعذاب في الآخرة جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 10 / 148: أسباب النزول للواحدي: 284 ، زاد المعاد 3 / 169 . . يقول ابن تيمية ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك ، بأنه يطلب السلامة من الفتنة الاستقامة: 2 / 287 . . ويقول نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه ، وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد ، فتنة عظيمة قد سقط فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته ، والله تعالى يقول: سورة الأنفال الآية 39 وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة ، فهو في الفتنة سقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده ، وتركه ما أمر الله به من الجهاد ، فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر الاستقامة: 2 / 289 . . فالله عز وجل أمر المسلم أن يقوم بالواجب ، وأن خوفه من الفتن لا يعفيه منه ، كما قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 1 الم سورة العنكبوت الآية 2 أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، وبين سبحانه أن من قام بالواجب أعانه الله عليه ، كما قال سبحانه: سورة العنكبوت الآية 69 وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . فعلى المسلم أن يسلك سبيل الدعوة إلى الله بالطرق التي بينها الله ، وإذا حصل له ضرر فعليه أن يدفعه بكل وسيلة مشروعة ، كما تقدم من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - . وعليه أن يصبر ويحتسب فإنه أعظم لأجره .
المبحث الرابع: أنواع الفتن:
للفتن صور وأنواع عدة ، كما تقدم في تعريفها وأنها بحسب ما يضاف إليها ، وقد بين الله عز وجل عدة أنواع للفتنة وهي بمجملها تنقسم إلى قسمين:
الأول: الشبهات .
الثاني: الشهوات .
وقد تجتمع الفتنتان كما في الدجال الذي هو أعظم فتنة حذرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - منها .
(الجزء رقم: 45، الصفحة رقم: 309)
فالأولى هي المعارضة للعقيدة ، التي لا يسلم منها إلا من عرف الله ورسوله ، وهي تأتي من ضعف البصيرة وقلة العلم ، وخاصة إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى ، وهي تؤدي إلى الكفر والنفاق والبدع ، وهذا هو الضلال الذي من اتباع الفتن والشبهات ومنها:
1 -شبهة إيذاء الناس بترك ما أوجبه الله .
2 -عبادة الأصنام وتزيين الشيطان .
3 -شبهة الخوف من الموت وفوات الرزق بترك ما أوجبه الله .