فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 1236

كما أن الشياطين يزينون كل سوء ومنكر ، فهم يعينون عباد الأصنام ويتزينون لهم في صور صالحة تشبيها وتلبيسا عليهم ، فيقول أحدهم أنا إبراهيم أنا المسيح أنا محمد أنا الخضر ، وقد يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبي وهذا هو الخضر ، ويكون أولئك كلهم جنا يشهد بعضهم لبعض مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1 / 157 . . وفتنة الشيطان من أعظم الفتن وخاصة إذا هم الإنسان بالخير أو دخل به ، فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: سنن النسائي الجهاد (3134) ,مسند أحمد بن حنبل (3/483) . إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك ؟ قال: فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالغرس في الطول ؟ قال: فعصاه فهاجر ، قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: هو جهد النفس والمال ، فقال: فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال ؟ قال: فعصاه فجاهد . لذلك حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - منه وبين أن من عصاه فقد نجا وفاز ، وهذا ما يدل عليه بقية الحديث حيث قال: سنن النسائي الجهاد (3134) ,مسند أحمد بن حنبل (3/483) . . . فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو قتل كان حقا على الله - عز وجل - أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة .

وشبهات الشيطان التي يلقيها في القلوب كثيرة ؛ لذلك أمرنا بالاستعاذة منه كثيرا وخاصة عند قراءة القرآن ؛ لأنه من أهم أعمال الخير وفيه فلاحنا ونجاحنا .

وقد بين الله أن في هذه السورة أناسا وقعوا في فتنة الشيطان أغراهم فهلكوا قال تعالى: سورة العنكبوت الآية 38 وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ فحسن لهم الشيطان كفرهم بالله ، وتكذيبهم رسله فصدهم عن السبيل فردهم بتزيينه لهم ما زين لهم من الكفر والصد عن سبيل الله ، التي هي الإيمان به وبرسله جامع البيان عن تأويل القرآن: 20 / 150 . . مع ما لهم من العقول وما لديهم من دلائل الهدى ، ولكن الشيطان بقوة فتنته جاءهم من باب غرورهم بأنفسهم وإعجابهم بما يأتون من الأعمال ، وما هو فيه من مال ومتاع ، فضيع عليهم الفرص مع ما يملكون من التبصر انظر في ظلال القرآن: 5 / 2735 . . كما وصفهم الله بذلك في آخر الآية فقال: سورة العنكبوت الآية 38 وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ .

ومن الشبهات التي تعترض الإنسان: شبهة الخوف من الموت ، وشبهة الخوف من الرزق ، فالإنسان لا يجوز له أن يترك ما أمره الله به خوفا من أن يأتيه الموت ، أو ينقطع رزقة ، فإن الموت لا بد حاصل ، وكذلك الرزق ، لذلك ذكرها الله بعد الأمر بالهجرة ، وهون عليهم أمرها لئلا يكونا سببا في التأخر عن أمر الله ، فقال تعالى: سورة العنكبوت الآية 56 يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ سورة العنكبوت الآية 57 كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ . سواء من هاجر أو جلس ، والأجل محدد ، كما قال تعالى: سورة الأعراف الآية 34 وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ . وكذلك الرزق المقسوم سيأتي الإنسان ، وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: صحيح البخاري بدء الخلق (3036) ,صحيح مسلم القدر (2643) ,سنن الترمذي القدر (2137) ,سنن أبو داود السنة (4708) ,سنن ابن ماجه المقدمة (76) ,مسند أحمد بن حنبل (1/414) . إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح . فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة . ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس كريهة لديها بين الله سبحانه أن المكروه واقع لا محالة إن لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت . فأولى أن يكون في سبيل الله كما أن الرزق حاصل وأسباب البحث عنه متوفرة في جميع بلاد الله الواسعة ، فلا يكون طلبه في بقعة معينة سببا في ترك أمر الله بالهجرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت