ومن قدر الله أن يتساوى معدل المد والإنقاص، حيث تمد الأرض من عند مراكز الانتشار في البحار المسجورة والقارات، وفي زلزال المحيط الهندي تجد أن قاع المحيط الهندي يتسع في المكان الذي يتباعد عنده لوحا الغلاف الصخري، فتتحرك قطعة الهند باتجاه الشرق، حيث تتقابل مع قطعة بورما، وعند نطاق التلاقي تسحب قطعة الهند لأسفل فتنشأ الزلازل، ومنها الزلزال الأخير، وتنقص الأرض من أطراف قطعة الهند وتنصهر هي ووشاح الأرض، وسبحان من جعل مد الأرض متعادلا مع إنقاصها من أطرافها، وجعل الرواسي للأرض حتى لا تضطرب نتيجة للمد ولا تقر نتيجة للإنقاص.. فيقول تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) .
ويضيف د.حسني حمدان محذرا: إن الزلازل جند من جنود الله، إن أخذ الكافرون بها فإنما يكون بسبب ذنوبهم، وإن أصابت بعض الصالحين فإنها تكون تكفيرا لذنوبهم وفتنة لغيرهم من ضعاف الإيمان، والزلازل في المقام الأول نذير للمغرورين بقوتهم المادية ليعلموا أن هناك الأقوى منهم، القاهر فوق عباده، الذي لا يقع شيء في ملكه إلا بإذنه، ثم هي دعوة للتعاطف الإنساني في زمن طفت فيه المادة على القيم الخلقية، مؤكدا أن الزلازل دعوة إلى العودة إلى الله، ودعوة للإصلاح في الأرض بعد إفسادها، ودليل عيني على زلزال الساعة الذي ترج منه الأرض رجا. وتقرع هذه الزلازل - آذان من يظنون أنهم ملكوا الأرض والدنيا.. فها هو زلزال استمر بضع دقائق، ونتجت عنه أمواج عاتية، وقع ولم تكشفه أو تتنبأ بوقوعه جميع أجهزة العالم. فأين المجسات التي تجس؟! وأين الأقمار التي تصور ليل نهار؟! حتى بعد وقوع الزلزال لم يكن في مقدور أهل العلم في الشرق والغرب أن يحذروا الدول التي ضربتها الأمواج بعد ساعات من حدوث الزلزال. ووقف من يملكون مفاتح العلم سواء مع من يجهلون كل شيء يرقبون وهم عاجزون، ولم يتحرك من يعتقدون أنهم يملكون زمام القوة في عالم اليوم إلا بعد 72 ساعة من حدوث الزلزال.. وهي أيضا رسالة إلى المغرورين بألا يركنوا إلى قوتهم... رسالة لأهل الأرض يقول فيها رب العالمين: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) .
الزلزال.. وآيات الرعد
زغلول النجار
وإذا كان الزلازل يعتبره الكثيرون آية إلهية لها ارتباط بالعلم، فإنه من المفيد أن نطلع على رأي الدكتور زغلول النجار زميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم والمهتم بقضية الإعجاز العلمي، حيث يرى أن كافة الكوارث الكونية وغيرها من صور الابتلاء المختلفة تحدث عقابًا للعاصين، وابتلاءً للصالحين، وعبرة للناجين، وحدوثها في كثير من مناطق الفقراء والمساكين ليس معناه أنهم كلهم من العصاة، وإن كان لا بد أن يكون من بينهم عصاة، أما الذين يُقتلون أو يصابون بأضرار عبر هذه المحن فقد يكون ذلك ابتلاء من الله لهم تكفيرًا لذنوبهم ورفعًا لدرجاتهم وتطهيرًا لهم، وقد يكون فيها خير كثير لا يعلمه إلا الله لأننا لو اطلعنا على الغيب لاخترنا الواقع.
ويشدد الدكتور زغلول على أن الزلازل والبراكين والعواصف هي من جند الله، التي يسخرها عقابًا للمذنبين، وابتلاءً للصالحين، وعبرة للناجين، وإن فهمنا لميكانيكية حدوث أي من هذه الظواهر لا يخرجها من كونها جندًا لله، وإذا لم تؤخذ بهذا المعيار فلن يستفيد الناس من حدوثها حتى لو استطاعوا التنبؤ بها، أو اخترعوا الوسائل المختلفة لمقاومتها، وفي ذلك يقول الإمام علي (رضي الله عنه) :"ما وقع عذاب إلا بذنب، وما ارتفع إلا بتوبة". وآيات العقاب المختلفة في كتاب الله نزلت كلها ردًّا على ذنوب الناس، مشيرا إلى أن من أبرز الآيات القرآنية التي تتحدث عن الزلازل ما ورد في سورة النحل، حيث يقول ربنا تبارك وتعالى:"قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون"، حيث تأتى هذه الآية ردًّا على مكر هؤلاء الماكرين؛ ولذلك فإنه على المؤمن أن يعتبر من حدوث هذه الظواهر الكونية، وأن يضعها في الإطار الصحيح الذي أوضحته: عقابًا للعاصين، وابتلاء للصالحين، وعبرة للناجين.